شعرية الوصف في المجموعة القصصية
(قبس الحكايا ) لمهدي الجابري
ولعل عنوان المجموعة القصصية ( قبس الحكايا ) يعد من أهم مفاتيح الدخول إلى عالمها الفني , واستكشاف مكامنها , وسبر أغوارها , وإنارة الأماكن المظلمة فيها , بل حتى الغموض المهيمن عليها , أو على بعض أجزائها ينجلي حينما نلجأ إلى العنوان وندرس بنيته , فيصبح عونا على فهم التركيب الأكثر غموضا وإيهاما من اجل الوصول إلى الدلالة الاشمل في النص القصصي , واستيعابه ,ولم يخطئ محمود عبد الوهاب حينما سمى العنوان ثريا النص لتألقه , وتشظيه وإنارته للنص , ويعد العنوان منبها أسلوبيا لا يستهان به في النص لما يحمل من بنية دلالية , والنص له دلالته ولغته الخاصة ذات الإبعاد المتعددة, التي يوضحها المبدع, (مهدي الجابري ) الذي يشرف النص لا ليضيء ما يعتم منه فحسب ,بل ليوجه القراءة كلها , وهذا ما يفهمه كتاب الحداثة من فلسفة العنونة , وعد العنوان في الدراسات النقدية الحداثوية بنية نصية وليس لافتة مجردة من الدلالة فهو قراءة نصية تستوقف وتوجه بقدر محمولها ذاته , وما تتشكل منه في عملية الكتابة أولا,ومن ثم فهو في أضاءته السبيل التي تتناغم مع القراءة, واعتلائه صهوة النص يسمح بنشر النور اللازم لتتبع الدلالات الحافة للنص ثانيا ,وإذا ما تطرقنا إلى الزمن في المجموعة القصصية (قبس الحكايا ) نجده محور العملية الجدلية التي تقوم بتوظيف الأفكار, والرؤيات , والتصورات المندرجة ضمن خصائص كل عصر لتميزه عن غيره من العصور ,إذ به يكشف عن آفاق التجارب الإنسانية التي يمكن أن تقف معطياتها عند حد معين , إنما تسعى للبقاء في استمرارية تنأى بها عن الوقوع في ثبات دائم , وذلك عبر إدراكها ضمن بنيات التحول المحتضنة لها , والمتجسدة في مركبه المتناوب الأبعاد , إذ ما من شيء إلا ناله الزمن بجانب من التغير والتبدل , بل إن الزمن هو التغير عينه , وبدونه تبور الحركة وتنعدم الحياة , فنراه يقول :- كعادتها تنهض مع خيوط الصباح الأولى , ترقص مع بندول الساعة , تصفف شعرها الجميل , شابة واعدة حالمة بمستقبلها ملازم كوثر متميزة عن اقرأنها كونها تطوعت بصفة طيار, وهي الدورة الوحيدة من نوعها , بعد تناولها إفطارها , ترتدي بزتها الجميلة بزي القوة الجوية آنذاك في منتصف ثمانينات القرن الماضي
برز (مهدي الجابري) في مجموعته القصصية ( قبس الحكايا ) وهو يسرد لنا سلسلة الأحداث التي عاشها القاص في المكان الأليف و لشد ما يؤلمه وصف الأحداث التفصيلة بصورة جمالية تجعل المتلقي يعيش معه كل الأحداث والظروف التي مرت به , وعلى الرغم من الرمزية في أحايين كثيرة لكنه أجاد في الوصف السردي وبدقة متناهية , فنراه يقول :- من فرط حبي لوطني أكلت ترابه في الخفاء , وأنا صغير , أينما يكون صندوق جدتي اتبعه هو مصنوع من خشب السيسب , مستطيل الشكل مطلي بلون اسود باذنجاني ذي لمعة مرصع بأصفاد لونها فضي وذهبي, تميز أسلوب القاص (مهدي الجابري) بأسلوب يحيل الكتابة إلى فن الوصف بكل تفاصيله, أراد لمجموعته القصصية ( قبس الحكايا ) المغايرة في الكتابة السردية,إذ اللغة هنا بأبسط أشكالها , في أهدئها للمجموعة القصصية إلى زوجته التي رحلت وتركته وحيدا , فنراه يقول :- إلى المرحومة زوجتي العزيزة كل الحكايات بها نفحة منك , لأنك بكل حرف فيها , أيتها الحاضرة الغائبة0
إن ما كتبه (مهدي الجابري ) هو تسجيل بأقل ما يمكن من الصفة الأدبية واقل منها الشعرية لكي تقترب أكثر من هذا الواقع الذي اعتقد انه بمجرد تصويره يحتوي على أبعاد شعرية إنسانية على مستوى كبير من الأهمية , فنراه يقول :- اغرورقت عيناها بفيض من الدمع , بل الدموع تصرخ في أحداقها , وهي تلوح بكف مرتعش مطالبة باكية غاضبة على فقد ابنها علي فلذة كبدها الوحيد الذي اغتالته يد الغدر الغاشمة بعد أن طالب بحقه المشروع , ويمكننا القول في إن تقنية الحوار في المجموعة القصصية ( قبس الحكايا) عنصر تكويني مهم في بناء القصة القصيرة جدا وهو وسيلة بيد القاص الجيد، تجسد رؤيته للكون وإحساسه بالحياة، ومهارته في رسم أبعاد شخصياته القصصية ,وإمكاناته الفكرية وقناعاتها, وهي مهمة للقارئ الذي يعتمد إقباله على قراءة المجموعة القصصية على جاذبية الحوار وقدرته على الإقناع والإثارة، ومن هنا يتنوع الحوار القصصي ، ويتعدد وفقاً لقربه من الحدث أو بعده عنه، ووفقاً للوظيفة البنيوية التي يؤديها للسرد, وأن للحوار أهمية كبيرة في بنية النص السردي ، فهو من أبرز التقنيات السردية للتعبير عن الذات وعن الوعي الاجتماعي بكل تفاعلاته المختلفة وبكل تناقضاته أيضاً, أن الحوار في المجموعة القصصية ( قبس الحكايا ) يأتي على صورتين كما بينها عبد الناصر هلال هما : الحوار الخارجي, والحوار الداخلي، فالحوار الخارجي هو الذي يدور بين الشخصيات المختلفة بصوت مسموع مباشر، والحوار الداخلي هو الذي أورده الراوي محاوراً ذاته بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب لتقديم المحتوى النفسي للشخصيات، فضلاً عن تقديم المحتوى النفسي للكاتب ذاته والإفصاح عن دواخله 0
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
شعرية الوصف في المجموعة القصصية (قبس الحكايا ) لمهدي الجابري
شعرية الوصف في المجموعة القصصية
(قبس الحكايا ) لمهدي الجابري
ولعل عنوان المجموعة القصصية ( قبس الحكايا ) يعد من أهم مفاتيح الدخول إلى عالمها الفني , واستكشاف مكامنها , وسبر أغوارها , وإنارة الأماكن المظلمة فيها , بل حتى الغموض المهيمن عليها , أو على بعض أجزائها ينجلي حينما نلجأ إلى العنوان وندرس بنيته , فيصبح عونا على فهم التركيب الأكثر غموضا وإيهاما من اجل الوصول إلى الدلالة الاشمل في النص القصصي , واستيعابه ,ولم يخطئ محمود عبد الوهاب حينما سمى العنوان ثريا النص لتألقه , وتشظيه وإنارته للنص , ويعد العنوان منبها أسلوبيا لا يستهان به في النص لما يحمل من بنية دلالية , والنص له دلالته ولغته الخاصة ذات الإبعاد المتعددة, التي يوضحها المبدع, (مهدي الجابري ) الذي يشرف النص لا ليضيء ما يعتم منه فحسب ,بل ليوجه القراءة كلها , وهذا ما يفهمه كتاب الحداثة من فلسفة العنونة , وعد العنوان في الدراسات النقدية الحداثوية بنية نصية وليس لافتة مجردة من الدلالة فهو قراءة نصية تستوقف وتوجه بقدر محمولها ذاته , وما تتشكل منه في عملية الكتابة أولا,ومن ثم فهو في أضاءته السبيل التي تتناغم مع القراءة, واعتلائه صهوة النص يسمح بنشر النور اللازم لتتبع الدلالات الحافة للنص ثانيا ,وإذا ما تطرقنا إلى الزمن في المجموعة القصصية (قبس الحكايا ) نجده محور العملية الجدلية التي تقوم بتوظيف الأفكار, والرؤيات , والتصورات المندرجة ضمن خصائص كل عصر لتميزه عن غيره من العصور ,إذ به يكشف عن آفاق التجارب الإنسانية التي يمكن أن تقف معطياتها عند حد معين , إنما تسعى للبقاء في استمرارية تنأى بها عن الوقوع في ثبات دائم , وذلك عبر إدراكها ضمن بنيات التحول المحتضنة لها , والمتجسدة في مركبه المتناوب الأبعاد , إذ ما من شيء إلا ناله الزمن بجانب من التغير والتبدل , بل إن الزمن هو التغير عينه , وبدونه تبور الحركة وتنعدم الحياة , فنراه يقول :- كعادتها تنهض مع خيوط الصباح الأولى , ترقص مع بندول الساعة , تصفف شعرها الجميل , شابة واعدة حالمة بمستقبلها ملازم كوثر متميزة عن اقرأنها كونها تطوعت بصفة طيار, وهي الدورة الوحيدة من نوعها , بعد تناولها إفطارها , ترتدي بزتها الجميلة بزي القوة الجوية آنذاك في منتصف ثمانينات القرن الماضي
برز (مهدي الجابري) في مجموعته القصصية ( قبس الحكايا ) وهو يسرد لنا سلسلة الأحداث التي عاشها القاص في المكان الأليف و لشد ما يؤلمه وصف الأحداث التفصيلة بصورة جمالية تجعل المتلقي يعيش معه كل الأحداث والظروف التي مرت به , وعلى الرغم من الرمزية في أحايين كثيرة لكنه أجاد في الوصف السردي وبدقة متناهية , فنراه يقول :- من فرط حبي لوطني أكلت ترابه في الخفاء , وأنا صغير , أينما يكون صندوق جدتي اتبعه هو مصنوع من خشب السيسب , مستطيل الشكل مطلي بلون اسود باذنجاني ذي لمعة مرصع بأصفاد لونها فضي وذهبي, تميز أسلوب القاص (مهدي الجابري) بأسلوب يحيل الكتابة إلى فن الوصف بكل تفاصيله, أراد لمجموعته القصصية ( قبس الحكايا ) المغايرة في الكتابة السردية,إذ اللغة هنا بأبسط أشكالها , في أهدئها للمجموعة القصصية إلى زوجته التي رحلت وتركته وحيدا , فنراه يقول :- إلى المرحومة زوجتي العزيزة كل الحكايات بها نفحة منك , لأنك بكل حرف فيها , أيتها الحاضرة الغائبة0
إن ما كتبه (مهدي الجابري ) هو تسجيل بأقل ما يمكن من الصفة الأدبية واقل منها الشعرية لكي تقترب أكثر من هذا الواقع الذي اعتقد انه بمجرد تصويره يحتوي على أبعاد شعرية إنسانية على مستوى كبير من الأهمية , فنراه يقول :- اغرورقت عيناها بفيض من الدمع , بل الدموع تصرخ في أحداقها , وهي تلوح بكف مرتعش مطالبة باكية غاضبة على فقد ابنها علي فلذة كبدها الوحيد الذي اغتالته يد الغدر الغاشمة بعد أن طالب بحقه المشروع , ويمكننا القول في إن تقنية الحوار في المجموعة القصصية ( قبس الحكايا) عنصر تكويني مهم في بناء القصة القصيرة جدا وهو وسيلة بيد القاص الجيد، تجسد رؤيته للكون وإحساسه بالحياة، ومهارته في رسم أبعاد شخصياته القصصية ,وإمكاناته الفكرية وقناعاتها, وهي مهمة للقارئ الذي يعتمد إقباله على قراءة المجموعة القصصية على جاذبية الحوار وقدرته على الإقناع والإثارة، ومن هنا يتنوع الحوار القصصي ، ويتعدد وفقاً لقربه من الحدث أو بعده عنه، ووفقاً للوظيفة البنيوية التي يؤديها للسرد, وأن للحوار أهمية كبيرة في بنية النص السردي ، فهو من أبرز التقنيات السردية للتعبير عن الذات وعن الوعي الاجتماعي بكل تفاعلاته المختلفة وبكل تناقضاته أيضاً, أن الحوار في المجموعة القصصية ( قبس الحكايا ) يأتي على صورتين كما بينها عبد الناصر هلال هما : الحوار الخارجي, والحوار الداخلي، فالحوار الخارجي هو الذي يدور بين الشخصيات المختلفة بصوت مسموع مباشر، والحوار الداخلي هو الذي أورده الراوي محاوراً ذاته بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب لتقديم المحتوى النفسي للشخصيات، فضلاً عن تقديم المحتوى النفسي للكاتب ذاته والإفصاح عن دواخله 0
التعليقات