الحصة الإضافية
كانت والدة عدنان تبدأ نهارها بخض اللبن لاستخراج الزبدة، منذ الصباح الباكر، ولا تنتهي إلا حين يرتفع قرص الشمس في كبد السماء. ذلك الانتظار الطويل كان كفيلاً بإيقاظ الشهية دون وعي؛ قطعة خبز طرية، تعلوها الزبدة وقليل من السكر، كان موعداً يومياً لا يقاوم، وطقساً بسيطاً تختلط فيه الحاجة باللذة.
كان قحطان، صديق عدنان، يعرف هذا التوقيت بدقة. تلاصق البيوت منحه الحضور الدائم، فكان يحسن اختلاق الأعذار، ويدخل بأناقة ولباقة لسان، حتى رقّ له قلب والدة عدنان، وغالبا ما نال حصة لا تقل عن حصة ابنها الوحيد.
ففي صباح ربيعي، وبعد أن أخذ نصيبه، غاب عن الأنظار قليلاً، ثم عاد وهو يتظاهر بالارتباك، إذ قال:
– خالتي، لقد سقطت حصتي على الأرض وتلوثت بالتراب.
حدقت فيه طويلاً هذه المرة، وصارت تنظر اليه بتأمل دقيق، بعد أن رأت عليه حالة من الاضطراب، إذ كانت نظراتها له في بداية زياراته لهم على شكل أمنيات ودية مفعمة بالتقدير، باعتباره صديق ولدها عدنان فلذة كبدها، وحري بها أن تقدره وفق ذلك، ومع هذا وكأنما خاطر ما لا تعرف مصدره بدأ يزيد من ارتباكها، بأن قحطان ليس بمستوى هذا التقدير، وكونه صديق ولدها أخذت تنظر إليه نظرة استغراب، حيث اندمجت في أفكار بعيدة.
حاولت أن تظهر بمظهر التصديق بحججه، ورفعت عينيها نحو قرص الشمس كأنها تستفهمه أمام شكوكها التي لم تعهدها في سابق السنين، توقفت قليلا ثم واصلت خض اللبن. أعاد قحطان طلبه، واثقاً كما يظن بمكانته في قلبها، لذا ابتسمت بابتسامة لا تخلو من الشك، لكنها لم تشعره بذلك:
– هاك حصة ثانية.
كانت قد ربت عدنان على قول الحقيقة مهما كانت قاسية، لذا بدأ تمني النفس لو كانت شكوكها في غير محلها، أو أن يتخطى صديق ولدها عن هذه العادة قبل أن تتحول إلى طبع راسخ.
في نهاية الدراسة الابتدائية، لم تعد الشكوك مجرد هواجس. سمعت بما لا يقبل التأويل، أنه قد انحرف عن الطريق السليم عدة مرات، منها سرقة أقلام زملائه، أو حتى دفاترهم الدراسية، متذرعاً بشتى أنواع الحجج، لذا قالت لولدها:
– لا تتعمق كثيرا بصديقك قحطان يا ولدي.
يجيبها وهو مدرك تماما بنظرة والدته التي لا تخطئ، لكنه مع هذا حاول الاستفسار كي يطمئن قلبه:
– وكيف ذاك، وهل بدر منه شيء؟
– ستخبرك الأيام.
وتذكر عدنان لاحقاً كيف ضُبط قحطان متلبساً، وهو يسرق ممتلكات زملائه في الصف، وتذكر كيف كان يدافع عن نفسه رغم ذلك، بذلك اللسان الذي يمكنه اقناع المقابل عدا والدته. وتذكر الأشياء التي لم تكن له، والأجوبة السريعة التي كانت تطفئ الشك مؤقتاً.
مرت السنين، أكمل عدنان دراسته الجامعية، وحصل على وظيفة بدخل محدود. أما قحطان، فترك الدراسة، وبدأ يجرب حظه في سوح العمل، فمرة يطرد، ومرة يصمد أشهر أخرى، ويغيب عن المنطقة فترات متفاوتة.
كانت والدة عدنان تسعى وراء شكها، تسمع أخباره التي لا تطمئن بصمت. شيئاً فشيئاً، تآكل احترامها له أولا، ومن ثم الآخرين بشكل متتابع، بعد أن استسلم لدوافعه العمياء. كان يجد في ذلك متعة غامضة، وحتى حين يقبض عليه، تجده يدافع عن نفسه بلسان مسحور، إذ كان ينظر بعينين حادتين، ويعلن مظلوميته منذ ولد كونه من عائلة فقيرة، فالفقر يجعل النظرة على الشخص أقل شأنا، والمجتمع لا يرى إلا المظاهر.
يتذكر عدنان كلمات والدته:
– كنت واثقة بأنه سيصل إلى ما وصل إليه.
– وكيف ذاك يا والدتي؟
– كان عليّ ألا أعطيه حصة إضافية.
أدرك عدنان متأخراً أن الحياة لا تكافئ الاستقامة دائماً، ولا تُنصف المثابرة، بل تتحول أحياناً إلى مطية لمن يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة. وهكذا صار قحطان من الأثرياء، ينفق بلا حساب، ويتصدر المجالس بوصفه صاحب الرأي والحل.
أرسل إلى عدنان يدعوه لزيارته في بيته الفخم. تردد كثيراً، لكنه بدأ يسمع أن الناس تزوره وتتحدث عنه. وحين وصل بوابة القصر، وجدها موصدة، لا يفتحها سوى حارس يكرر التعليمات. حاول الاتصال، فكان الخط مغلقاً.
أدار عدنان ظهره للبوابة، وتذكر قطعة الخبز والزبدة، وتلك الحصة الإضافية. لذا فهم متأخراً أن ما سقط يوماً على التراب، لم يكن الحصة، بل الميزان.
الحصة الإضافية
الحصة الإضافية
كانت والدة عدنان تبدأ نهارها بخض اللبن لاستخراج الزبدة، منذ الصباح الباكر، ولا تنتهي إلا حين يرتفع قرص الشمس في كبد السماء. ذلك الانتظار الطويل كان كفيلاً بإيقاظ الشهية دون وعي؛ قطعة خبز طرية، تعلوها الزبدة وقليل من السكر، كان موعداً يومياً لا يقاوم، وطقساً بسيطاً تختلط فيه الحاجة باللذة.
كان قحطان، صديق عدنان، يعرف هذا التوقيت بدقة. تلاصق البيوت منحه الحضور الدائم، فكان يحسن اختلاق الأعذار، ويدخل بأناقة ولباقة لسان، حتى رقّ له قلب والدة عدنان، وغالبا ما نال حصة لا تقل عن حصة ابنها الوحيد.
ففي صباح ربيعي، وبعد أن أخذ نصيبه، غاب عن الأنظار قليلاً، ثم عاد وهو يتظاهر بالارتباك، إذ قال:
– خالتي، لقد سقطت حصتي على الأرض وتلوثت بالتراب.
حدقت فيه طويلاً هذه المرة، وصارت تنظر اليه بتأمل دقيق، بعد أن رأت عليه حالة من الاضطراب، إذ كانت نظراتها له في بداية زياراته لهم على شكل أمنيات ودية مفعمة بالتقدير، باعتباره صديق ولدها عدنان فلذة كبدها، وحري بها أن تقدره وفق ذلك، ومع هذا وكأنما خاطر ما لا تعرف مصدره بدأ يزيد من ارتباكها، بأن قحطان ليس بمستوى هذا التقدير، وكونه صديق ولدها أخذت تنظر إليه نظرة استغراب، حيث اندمجت في أفكار بعيدة.
حاولت أن تظهر بمظهر التصديق بحججه، ورفعت عينيها نحو قرص الشمس كأنها تستفهمه أمام شكوكها التي لم تعهدها في سابق السنين، توقفت قليلا ثم واصلت خض اللبن. أعاد قحطان طلبه، واثقاً كما يظن بمكانته في قلبها، لذا ابتسمت بابتسامة لا تخلو من الشك، لكنها لم تشعره بذلك:
– هاك حصة ثانية.
كانت قد ربت عدنان على قول الحقيقة مهما كانت قاسية، لذا بدأ تمني النفس لو كانت شكوكها في غير محلها، أو أن يتخطى صديق ولدها عن هذه العادة قبل أن تتحول إلى طبع راسخ.
في نهاية الدراسة الابتدائية، لم تعد الشكوك مجرد هواجس. سمعت بما لا يقبل التأويل، أنه قد انحرف عن الطريق السليم عدة مرات، منها سرقة أقلام زملائه، أو حتى دفاترهم الدراسية، متذرعاً بشتى أنواع الحجج، لذا قالت لولدها:
– لا تتعمق كثيرا بصديقك قحطان يا ولدي.
يجيبها وهو مدرك تماما بنظرة والدته التي لا تخطئ، لكنه مع هذا حاول الاستفسار كي يطمئن قلبه:
– وكيف ذاك، وهل بدر منه شيء؟
– ستخبرك الأيام.
وتذكر عدنان لاحقاً كيف ضُبط قحطان متلبساً، وهو يسرق ممتلكات زملائه في الصف، وتذكر كيف كان يدافع عن نفسه رغم ذلك، بذلك اللسان الذي يمكنه اقناع المقابل عدا والدته. وتذكر الأشياء التي لم تكن له، والأجوبة السريعة التي كانت تطفئ الشك مؤقتاً.
مرت السنين، أكمل عدنان دراسته الجامعية، وحصل على وظيفة بدخل محدود. أما قحطان، فترك الدراسة، وبدأ يجرب حظه في سوح العمل، فمرة يطرد، ومرة يصمد أشهر أخرى، ويغيب عن المنطقة فترات متفاوتة.
كانت والدة عدنان تسعى وراء شكها، تسمع أخباره التي لا تطمئن بصمت. شيئاً فشيئاً، تآكل احترامها له أولا، ومن ثم الآخرين بشكل متتابع، بعد أن استسلم لدوافعه العمياء. كان يجد في ذلك متعة غامضة، وحتى حين يقبض عليه، تجده يدافع عن نفسه بلسان مسحور، إذ كان ينظر بعينين حادتين، ويعلن مظلوميته منذ ولد كونه من عائلة فقيرة، فالفقر يجعل النظرة على الشخص أقل شأنا، والمجتمع لا يرى إلا المظاهر.
يتذكر عدنان كلمات والدته:
– كنت واثقة بأنه سيصل إلى ما وصل إليه.
– وكيف ذاك يا والدتي؟
– كان عليّ ألا أعطيه حصة إضافية.
أدرك عدنان متأخراً أن الحياة لا تكافئ الاستقامة دائماً، ولا تُنصف المثابرة، بل تتحول أحياناً إلى مطية لمن يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة. وهكذا صار قحطان من الأثرياء، ينفق بلا حساب، ويتصدر المجالس بوصفه صاحب الرأي والحل.
أرسل إلى عدنان يدعوه لزيارته في بيته الفخم. تردد كثيراً، لكنه بدأ يسمع أن الناس تزوره وتتحدث عنه. وحين وصل بوابة القصر، وجدها موصدة، لا يفتحها سوى حارس يكرر التعليمات. حاول الاتصال، فكان الخط مغلقاً.
أدار عدنان ظهره للبوابة، وتذكر قطعة الخبز والزبدة، وتلك الحصة الإضافية. لذا فهم متأخراً أن ما سقط يوماً على التراب، لم يكن الحصة، بل الميزان.
التعليقات