نشيدُ الأرض المكتئبة
قبلَ أن يُسمّى الكونُ كونًا
لم تكنِ الأرضُ كرةً،
بل رغبةً مكوّرةً في فخذِ الضوء،
تتقلبُ مثلَ بيضةٍ في مقلاةِ العقل
كنتُ هناك، في زقاقِ الزمكان،
أبيعُ نبوءاتٍ سومريّة
مغلفةً بأغلفةِ شوكولاتةٍ سويدية،
وأُربكُ عابري السببيّة
بابتسامةِ نيتشه وهو يُفكّكُ أحجيةَ المطلق
أنا لا أتوقُ زمنًا،
بل شرخًا في مرآةِ الزمن
يعيدني إلى العصورِ الوسطى،
لا لأُثبتَ شيئًا،
بل لأصفعَ غاليليو
وأهمسَ في أُذنهِ الذهبيّة:
اصمت…
فالأرضُ ليست كروية،
بل مكتئبة، وفي كلِّ الجهاتِ ملتهبة
اصمت،
فثوانيكَ ضلّت في تيهِ قواربها،
وصار الصمتُ يدقُّ ضواربها،
والآن سأسرقُ عقاربها
وأرميها في نهرٍ كونيٍّ من سُكّر
أنا لا أتوقُ أن أكونَ خاليَ الوفاض،
بل أتوقُ أن أختبرَ الانقراض
بوصفهِ سيرةً ذاتيةً،
وأن أزرعَ على صدري
زهرةً نجت من ذاكرةِ الديناصورات
أن أطهو قلبَ أفلاطون
على نارِ رفضِ آمون،
وأضعهُ بلا ملحٍ ولا حكمةٍ
في نعشِ الحقيقة
أتوقُ أن أدخلَ عقلَ كافكا،
لا لأرتّبَ الأوراق،
بل لأشدَّ على عُنقِهِ الوثاق،
وأُعلّقَ على مشنقةِ اليقينِ فوانيسَه،
كي يُغلقَ البابُ نواميسَه
ويُدانَ المفتاحُ بتهمةِ الأمل
أتوقُ أن أُعيدَ كتابةَ نشيدِ الأناشيد،
لا بخطِّ لوركا، بل بسكّينه،
كي أستأصلَ من حنجرةِ الحبِّ أنينه،
وأغرسَ تفاحةَ وجهِ صوفيا لورين
في حلقِ الأسطورة،
كي تتعلّمَ الآلهةُ
أنَّ الجمالَ جريمةٌ
تُرتكبُ مرّةً واحدة
سأقتلعُ نيوتن من شجرةِ يقينه،
وأقضمُ التفاحةَ أمامَ عينه،
وسأُقنعُ أينشتاين
أنَّ الجاذبيةَ ليست قوّة،
بل حنينٌ يسحبُنا نحو الأسفل،
وأنَّ السقوطَ وجهةُ نظر،
وأنَّ السماءَ ليست فوق،
بل هوّةٌ سحيقة
نسينا أن نقعَ فيها
سأُقنعُ بيتهوفن
أنَّ الصممَ نعمة،
فلو سمعَ عويلَ هذهِ الأرض
لجعلِ نوتاتِ أصابعهِ يتوقّفن؛
فالعالمُ ليس لحنًا يا لودفيغ،
بل صرخةٌ خرساء
تعجزُ عندها الأوركسترا
سأذهبُ إلى سقراط قبلَ تجرُّعِ السمّ،
أكسرُ الكأسَ، وأقولُ لهُ:
يا شيخَ المجانين،
كلُّ الدروبِ التي سلكتها حافيَ القدمين
لم تعُد منها إلّا بخُفّي حُنين
الحقيقةُ مجرّدُ نكتةٍ سمجةٍ،
رماها العبثُ في لحظةِ ضجر،
فصارَ دمُنا حبرًا على مناديلِ الغجر،
ونحنُ بكلِّ جدّيةٍ
حاولنا أن نجدَ لها تفسيرًا في المنطق
سأبيعُ أوهامَ الخلودِ في سوقِ الخردة،
وأشتري بثمنها ثقبًا أسود،
أضعهُ في جيبِ معطفي،
وأقولُ لجهةِ السقوط: قفي
فكلّما مررتُ بمعنى
ألقيتُ بهِ فيهِ،
حتى يفرغَ العالمُ من ثرثرةِ القواميس،
ونعودَ صمتًا
يسبقُ فكرةَ الانفجارِ العظيم
أتوقُ أن أقفزَ من ناطحةِ سحابٍ في طوكيو،
وأرتطمَ بأرضِ الحنين،
وأموتَ فكرةً
انتحرت من فرطِ الوضوح
أنا لا أتوقُ حياةً،
أتوقُ أن أُفرِّغَ محفظتي من الذكريات،
أن أطوي رسائلَ أمي كفنًا
في كتاب «الوجودِ والعدم»،
وأعيدَ قراءتها بصوتِ سارتر
وهو يتهجّى في صمتِها
أوّلَ تنهيدةٍ فرّت من وجهِ العدم
أتوقُ أن أخلقَ جنّةً
يُحظرُ فيها دخولُ من لا يعرف
موزارت، جابر الكاظمي، وشارلي شابلن
وأتوقُ أن أجعلَ من الخطيئةِ
فنًّا تركيبيًّا
يُعرضُ في متحفِ اللوفر كلَّ يومِ أحدٍ،
وتتجمّعُ حوله أرواحُ الغائبين
يبكون… ويُصفّقون
أتوقُ تارةً
أن أهبَ للعدمِ سيجارةً
من رمادِ السردِ العظيم،
وأقولُ لهُ: هَاك، هذه نهايةُ القصيدة
ولا أحدَ سيصعدُ سُلَّمَ اللغةِ
دون أن يتعثّرَ،
لأني كنتُ هنا
أَنحَتُ على درجاتِها
ندوبًا من معنى
لا أحدَ سيكتبُ بعدي
إلّا كمن يُرمّمُ نجمةً
سقطت من حريق.
ابراهيم عثمان
قُصَي الفضلي
التعليقات