قصة قصيرة – الزوهري
الاحلام وكر من أوكار الروح ودهاليزها ، الأحلام غالبا تأتي معتمة بضباب أسود ، غالبا
ما تفتقد للألوان الزاهية والصور الواضحة ، ومن يومها صار الانسان يخاف من أحلامه
أكثر مما يسعد بها ،لم أكن سوداوياً البتة ولكن صيرورة الحياة أخذت مساراً مختلفاً معي
جعلت الضبابية القاتمة تلاحقني في كل حياتي اليومية،لا شيء واضح أمامي دائماً ما تحوم حوله هذه الضبابية التي تشبه الكلب الأسود المُطارِد ، هنالك مفارقة كبيرة من الصعب تفسيرها في شخصيتي العجيبة ، إذ رغم ما أعانيه من تشويش في الأحداث التي أمر بها
الا أنني مثل قدر يخترق الغيب ويشعل قابوسا في ظلامه المحيط ، قوياً وضعيفاً جريئاً ومتخاذلا جباناً وشجاعاً ، خليطا من المتناقضات والمترادفات والمتشابهات ، في داخلي
عالم عجيب لم يستكشف بعد ، كأنني عمق محيط ما زال يستقطب فضول العلماء ، كل
يوم أعرف شيئا جديدا عني ، وأشعر أن داخلي هو كيان آخر يعيش معي حتى عندما
أنصت لأفكاري أشعر بهذا الكيان ينصت معي أيضاً.
في بغداد وفي أحد أزقة شارع الرشيد من جهة محلة المربعة ، خلف السينما القديمة كانت العمياء هي ما نُصِحت به لزيارتها ، تلك المسنة العجوز التي يتحدثون عن قدراتها العجيبة المتنبئة واختصاصها الغريب في عوالم الجن والأرواح والخوارق والماورائيات ، قالوا لي يجب عليك زيارتها لتعرف نفسك لعلك تهدأ من هذا الضجيج الذي يفسد حياتك وقد تخلصك
من عقدة التعطيل التي لازمتك طوال حياتك . يقال أنني رجل زوهري لأن كلا كفّيَّ مليئة بعلامات الأكس وأن الرجل الزوهري قريب من عالم الجن وكلام طويل وكثير سمعت عنه ، لكن زيارة العجوز في ذلك اليوم كان شكلاً آخراً من المعرفة رغم اطلاعي على كتب الجن والسحرة وتعمقي في دراسة الطلاسم والأحراز والعوذ والتمائم وغيرها من أدوات تحضير الأرواح والجن والشياطين والأموات وهي أدوات كنت أجمعها وأعملها بدافع الفضول والاطلاع لأنني كنت وما زلت مشككا كبيرا في حقيقتها وما كانت محاولاتي في تجريبها الا انعكاسا عن شخصيتي الفضولية الاستطلاعية التي تبحث في كل شيء مهما كان عصي
الفهم والادراك .
العمياء المسنة كانت امرأة مخيفة بحق،فقد كان بيتها وهو سكن لمنزل يهودي قديم وله باب نازل تحت الأرض بسلمّ قصير من ثلاث خطوات ويبدو أثر الزمن عليه كأنه بُنيَ منذ عهد
قديم جدا ، المنزل كان وسخاً تماماً وتفوح منه رائحة الكبريت والأبخرة المجهولة ، وفي
انحائه أدوات غريبة وأواني أول مرة أشاهدها وضوء الشمس بالكاد يجد ثغرة يتسلل منها
الى المنزل ، كانت محدودبة الظهر ويظهر شعرها الأبيض ناحية الزلف متدلياً ووجها مليئاً بالتجاعيد والنمش وعينان غائرتان في محجريهما وأنف طويل عريض الأرنبة وملابس رثة كأنها لم تغتسل منذ عقود من الزمن وجدتها جالسة على كرسي من الخشب القديم وتحتها
ملاءة ملفوفة كالوسادة وبينما التفت الى رفيقي الذي دلني عليها لم أجده ثم عاودت النظر
اليها فأشارت لي بالصمت من خلال سبابتها التي وضعتها أمام فمها بهدوء ثم أشارت الى كرسي لا بأس به من حيث النظافة بأن أجلس عليه فاستمعت لها وجلست من فوري وبدأت تُحدّق بعينيها الغائرتين اتجاهي بتمعن وكأنها تتفحصني .
فجأة ظهر ما يشبه البخار يتصاعد من ملابسها الى الأعلى وبدا بريق عيناها يشع أكثر ثم التفت الى نفسي ووجدتني أرى ما يشبه البخار يخرج من ملابسي أيضاً ويتصاعد الى
الأعلى ثم ازدادت حرارة جسمي وشعرت بوعكة صحية وخمول جسدي ووجع طفيف في مفاصلي وفقدت الرؤية تماما فاستسلمت الى ما يشبه النعاس كأنني نمت .
سمعت صوتاً أجش كأنه صوت البحة يقول لي زوهري لعين قم أيها الزوهري قم ، هيا
استيقظ وغادر قبل أن تُفنى الى الأبد في غياهب داخلك اللعين . فتحت عيناي ووجدتها واقفة أمامي مباشرة مسافة نصف متر وهي تنظر الي بابتسامة كريهة الثغر ، قالت لي لقد أغمي عليك يا ولدي لديك عشرات التوابع والتابعات متعلقون بك كما يتعلق الحجيج بأستار الكعبة ، لا أمل لك ولا شفاء مما أنت فيه ، لكنك قوي وستنجو من الحياة .
ناجح صالح
هادي المیاح
بشار البندر
التعليقات