بائع الحكايات

صورة الكاتب
بقلم: هادي المیاح
التاريخ: 1 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2669
بائع الحكايات

بائع الحكايات

عاش الرجل فقيرًا طوال حياته السابقة، حتى صار الفقر صديقًا له. يعرف رائحته، ينام في حضنه، ويستيقظ على وقع صمته. ولشدة فقره، كانت ملابسه مرقّعة لكنها نظيفة، وبيته الذي بالكاد يُسمّى بيتًا يشبه صندوقًا خشبيًا يعشش فيه الغبار.
وكان ينام ليحلم ، ويحلم لكي يعيش. ثم صار الناس في الحي كله يطلقون عليه لقب: “بائع الحكايات.”
بعض أصدقائه كانوا يتقوّلون عليه ضاحكين:
“احذروا حكاياته، فهي لا تنتهي، دائمًا تعود من حيث بدأت.”
كان الرجل يروي أحلامه كل صباح للصبية وبعض الكبار، يبيعها كما يُباع قرص خبز ساخن، مقابل دراهم زهيدة تسدّ رمقه.
لكن في داخله كان يعرف أن الأحلام ليست كلها للبيع؛ بعضها يهرب من أصحابه، يبحث عن رأسٍ أوسع أو قلبٍ قادر على حمله.
كان يأمل أن يحظى يومًا برؤيا كبيرة، أكبر من كل ما مرّ عليه. رؤيا يساوي ثمنها أضعاف ما باعه من قبل. غير أنه كان يخشى أيضًا أن يأتي يومٌ تفرّ من يده، تاركة إياه بلا رزق.
في إحدى الليالي، رأى نفسه يسقط في فراغ شاسع. ثم إذا بالملك ذاته، الملك العظيم، الذي لم يره أحد طوال سنين حكمه، ظهر أمامه يمشي في ردهات قصره متوترًا، يتحسس صدغيه بكفّيه، كأن صوتًا غريبًا يطرق جمجمته من الداخل.
كان واضحًا أن الحلم ليس حلمه. ويبدو أنه لم يعد يطيق كتمانه. صاح في وجه وزيره:
“هنا حلمٌ دخيل لا يعود لي، لكنه يبحث عن صاحبه!”
استيقظ الرجل مذعورًا. لم يكن هذا حلمًا عاديًا. ولم يك من تلك الأحلام التي كان يُهيّئها، ويضيف إليها البهارات قبل أن يعرضها للبيع.
في اليوم التالي، ارتدى قميصه نفسه بالمقلوب، واندفع نحو أصدقائه في الساحة، وصاح من بعيد:
“رأيتُ الملك في منامي، البارحة رأيته!”
لكن أحدًا منهم لم يصدقه، بل وسخروا منه. قال أحدهم:
“جئتنا اليوم بلا بهارات؟”
وصاح آخر:
“ضاع منك النوم يا بائع الحكايات!”
ارتبك. عاد إلى بيته، ترافقه ريح باردة كأنها توبّخه.
قال في نفسه:
“هل فقدتُ رزقي؟ هل يُعقل أن حلمًا واحدًا يحرمني من كل شيء؟”
كانت الأيام التالية ثقيلة. أفقدته النوم. وإذا نام، لم يرَ طيفًا. كأن الأحلام هجرت رأسه، خائفة مما رأى. صار يتردد قرب السوق، فلا يقرب منه أحد.
أراد أن يخترع حلمًا، لكنه لم يستطع كلما حاول. حتى باتت سهراته قاحلة، كأن النوم يمر بجانبه ويصفعه ثم يمضي.
همس لنفسه:
“ربما الأحلام الكبيرة لا تحتمل الفقر، إنها تبحث عمّن يقدرُ على حملها.”
وفي القصر، كان الملك يئنّ من ثقل الحلم الذي اقتحم رأسه، وراح يطلب من وزرائه بإلحاح أن يجدوا صاحبه. كأنه ليس خيالًا بل عبء يوشك أن يفتك به. أصبح الملك أسيرًا له دون أن يعرف مصدره، في حين صار البائع فقيرًا بلا أحلام، كأن بين رأسيهما خيطًا خفيًا يملأ أحدهما ويفرغ الآخر.
في مساءٍ كئيب، جلس البائع أمام بيته. الريح تلعب بثوبه، والقمر غائب خلف الغيوم.
نظر إلى السماء وهمس:
“أحتاج فقط حلمًا، حلمًا واحدًا. لا أريده ملكيًا، أريده فقط أن يكون لي.”
ثم أغلق عينيه.
وفي العتمة بين الوعي والنوم، تراءى له الملك من جديد. لكن هذه المرة، لم يكن في القصر. كان يجلس أمامه، على الأرض، بنفس هيئة الفقير.
سأله بصوت خافت:
“أين وضعت حلمي؟”
لم يُجب.
فتح عينيه، ولم يكن هناك أحد.
لكن على باب كوخه، وجد ورقة صغيرة، كُتب عليها بخط لا يشبه خط أحد:
“احلم… لكن لا تُخبر أحدًا.”
أغلق عينيه أخيرًا بعد ليلتين بلا نوم.
وفي نومه، رأى نفسه يعود إلى أصدقائه. استقبلوه بوجوه باسمة هذه المرة، وراحوا يتحلّقون حوله كما اعتادوا، يطلبون منه أن يحكي.
وبدون أن يتردد، روى لهم حلم الملك: عن القصر، والصرخة، والكف التي امتدت إليه، والورقة الغريبة على باب كوخه.
أنهى حكايته، وانتظر الضحك، أو التصفيق، أو سؤالًا واحدًا على الأقل.
لكنهم صمتوا.
وجوههم متخشبة. عيونهم زجاجية.
ثم، فجأة…تبخّروا.
استيقظ مذعورًا. جلس يلهث، يتحسس جسده، يتأكد من أنه في بيته. هرع إلى الساحة، وصاح من جديد:
“لقد رأيت الملك في منامي البارحة!”
لكن الناس ضحكوا. الوجوه نفسها. الشك نفسه. كأن كل شيء يُعاد بدقة متناهية.
أعاد الصراخ:
“أنا رأيت الملك!”
“أنا رأيت الملك!”
“أنا…”
لكن هذه المرة، لم يكن يحلم.
كان واقفًا في الساحة نفسها، والوجوه تضحك بالطريقة نفسها.
وعندها فقط أدرك شيئًا باردًا يهبط في صدره ببطء…أن الحكاية عادت لتبدأ من جديد.

عن الکاتب / الکاتبة

هادي المیاح
هادي المیاح
قاص وکاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

فاتورة الهواء

فاتورة الهواء

فاتورة الهواء   “كلما تقلصت وفرة الماء، ارتفعت فاتورة الهواء.” في مسقط رأسي، وفي ذاكرتي،…

صورة الكاتب هادي المیاح
26 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


بائع الحكايات

بقلم: هادي المیاح | التاريخ: 1 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

بائع الحكايات

عاش الرجل فقيرًا طوال حياته السابقة، حتى صار الفقر صديقًا له. يعرف رائحته، ينام في حضنه، ويستيقظ على وقع صمته. ولشدة فقره، كانت ملابسه مرقّعة لكنها نظيفة، وبيته الذي بالكاد يُسمّى بيتًا يشبه صندوقًا خشبيًا يعشش فيه الغبار.
وكان ينام ليحلم ، ويحلم لكي يعيش. ثم صار الناس في الحي كله يطلقون عليه لقب: “بائع الحكايات.”
بعض أصدقائه كانوا يتقوّلون عليه ضاحكين:
“احذروا حكاياته، فهي لا تنتهي، دائمًا تعود من حيث بدأت.”
كان الرجل يروي أحلامه كل صباح للصبية وبعض الكبار، يبيعها كما يُباع قرص خبز ساخن، مقابل دراهم زهيدة تسدّ رمقه.
لكن في داخله كان يعرف أن الأحلام ليست كلها للبيع؛ بعضها يهرب من أصحابه، يبحث عن رأسٍ أوسع أو قلبٍ قادر على حمله.
كان يأمل أن يحظى يومًا برؤيا كبيرة، أكبر من كل ما مرّ عليه. رؤيا يساوي ثمنها أضعاف ما باعه من قبل. غير أنه كان يخشى أيضًا أن يأتي يومٌ تفرّ من يده، تاركة إياه بلا رزق.
في إحدى الليالي، رأى نفسه يسقط في فراغ شاسع. ثم إذا بالملك ذاته، الملك العظيم، الذي لم يره أحد طوال سنين حكمه، ظهر أمامه يمشي في ردهات قصره متوترًا، يتحسس صدغيه بكفّيه، كأن صوتًا غريبًا يطرق جمجمته من الداخل.
كان واضحًا أن الحلم ليس حلمه. ويبدو أنه لم يعد يطيق كتمانه. صاح في وجه وزيره:
“هنا حلمٌ دخيل لا يعود لي، لكنه يبحث عن صاحبه!”
استيقظ الرجل مذعورًا. لم يكن هذا حلمًا عاديًا. ولم يك من تلك الأحلام التي كان يُهيّئها، ويضيف إليها البهارات قبل أن يعرضها للبيع.
في اليوم التالي، ارتدى قميصه نفسه بالمقلوب، واندفع نحو أصدقائه في الساحة، وصاح من بعيد:
“رأيتُ الملك في منامي، البارحة رأيته!”
لكن أحدًا منهم لم يصدقه، بل وسخروا منه. قال أحدهم:
“جئتنا اليوم بلا بهارات؟”
وصاح آخر:
“ضاع منك النوم يا بائع الحكايات!”
ارتبك. عاد إلى بيته، ترافقه ريح باردة كأنها توبّخه.
قال في نفسه:
“هل فقدتُ رزقي؟ هل يُعقل أن حلمًا واحدًا يحرمني من كل شيء؟”
كانت الأيام التالية ثقيلة. أفقدته النوم. وإذا نام، لم يرَ طيفًا. كأن الأحلام هجرت رأسه، خائفة مما رأى. صار يتردد قرب السوق، فلا يقرب منه أحد.
أراد أن يخترع حلمًا، لكنه لم يستطع كلما حاول. حتى باتت سهراته قاحلة، كأن النوم يمر بجانبه ويصفعه ثم يمضي.
همس لنفسه:
“ربما الأحلام الكبيرة لا تحتمل الفقر، إنها تبحث عمّن يقدرُ على حملها.”
وفي القصر، كان الملك يئنّ من ثقل الحلم الذي اقتحم رأسه، وراح يطلب من وزرائه بإلحاح أن يجدوا صاحبه. كأنه ليس خيالًا بل عبء يوشك أن يفتك به. أصبح الملك أسيرًا له دون أن يعرف مصدره، في حين صار البائع فقيرًا بلا أحلام، كأن بين رأسيهما خيطًا خفيًا يملأ أحدهما ويفرغ الآخر.
في مساءٍ كئيب، جلس البائع أمام بيته. الريح تلعب بثوبه، والقمر غائب خلف الغيوم.
نظر إلى السماء وهمس:
“أحتاج فقط حلمًا، حلمًا واحدًا. لا أريده ملكيًا، أريده فقط أن يكون لي.”
ثم أغلق عينيه.
وفي العتمة بين الوعي والنوم، تراءى له الملك من جديد. لكن هذه المرة، لم يكن في القصر. كان يجلس أمامه، على الأرض، بنفس هيئة الفقير.
سأله بصوت خافت:
“أين وضعت حلمي؟”
لم يُجب.
فتح عينيه، ولم يكن هناك أحد.
لكن على باب كوخه، وجد ورقة صغيرة، كُتب عليها بخط لا يشبه خط أحد:
“احلم… لكن لا تُخبر أحدًا.”
أغلق عينيه أخيرًا بعد ليلتين بلا نوم.
وفي نومه، رأى نفسه يعود إلى أصدقائه. استقبلوه بوجوه باسمة هذه المرة، وراحوا يتحلّقون حوله كما اعتادوا، يطلبون منه أن يحكي.
وبدون أن يتردد، روى لهم حلم الملك: عن القصر، والصرخة، والكف التي امتدت إليه، والورقة الغريبة على باب كوخه.
أنهى حكايته، وانتظر الضحك، أو التصفيق، أو سؤالًا واحدًا على الأقل.
لكنهم صمتوا.
وجوههم متخشبة. عيونهم زجاجية.
ثم، فجأة…تبخّروا.
استيقظ مذعورًا. جلس يلهث، يتحسس جسده، يتأكد من أنه في بيته. هرع إلى الساحة، وصاح من جديد:
“لقد رأيت الملك في منامي البارحة!”
لكن الناس ضحكوا. الوجوه نفسها. الشك نفسه. كأن كل شيء يُعاد بدقة متناهية.
أعاد الصراخ:
“أنا رأيت الملك!”
“أنا رأيت الملك!”
“أنا…”
لكن هذه المرة، لم يكن يحلم.
كان واقفًا في الساحة نفسها، والوجوه تضحك بالطريقة نفسها.
وعندها فقط أدرك شيئًا باردًا يهبط في صدره ببطء…أن الحكاية عادت لتبدأ من جديد.