وصية على سواتر الموت
بعد سنتين من الغياب، جاء الخبر الذي ظل مؤجلاً بين الرجاء والخوف: لم يبق للعائلة إلا أن تستلم رفات ولدها الذي ابتلعته سوح القتال.
لم يكن اليقين قد استقر في قلوبهم بعد؛ كان الأمل يندس كل مساء بين أنفاسهم، وهم يلتفون حول مذياع قديم، يلصقونه بآذانهم في صمت متوتر، يتحايلون على التشويش، ويصغون إلى إذاعة الجانب الآخر، علّ اسمه يُنادى بين الأسرى، لعلّ الحياة وإن كانت مقيدة ما زالت تسكنه.
كانوا يعرفون أن للحرب لغتها، وأن التشويش ليس صدفة أو خللاً عابراً، بل جزء من معركة تُخاض في الداخل، كما في الجبهات.
حين وصل التابوت، كان خفيفاً على نحو متوقع لكنه يثير الخوف أكثر مما يخففه، كأن الخشب وحده هو الذي عاد، أما الجسد فقد تلاشى في مكان لا يُرى.
تجمع أهل القرية بصمت ثقيل عند مرفأ العبارة في الجهة الشرقية من نهر دجلة؛ وجوهٌ جامدة، وعيون تبحث عن يقين لا يأتي. هم على إدراك تام أن في داخل التابوت عظام متناثرة، لكنهم استلموا كذلك من المأمور كيساً صغيراً رمادياً شفافاً، يظهر في داخله قرصٌ معدني يحمل اسمه الثلاثي.
وحين فُتح الكيس، تأكدت القلوب، لا لأنهم رأوه، بل لأن ما تبقى منه أصر أن يدلّ عليهم. كانت المحفظة الصغيرة أكثر قسوة من الرفات نفسها، يابسة، متيبسة، كأنها صمدت لتقول ما لم يستطع الجسد قوله.
فتحها أحدهم بارتباك، فانسكبت منها حياة قصيرة لم تكتمل؛ عقد زواج لم يعش أكثر من أسبوع، وصورة حلم انكسر وهو يولد، وورقة صغيرة، كأنها آخر ما تبقى من صوت الراحل.
قُرئت الوصية، كأنها الصوت الوحيد الذي نجا من الحرب:
“أوصيكِ بالعهد… فأنا على سواتر الموت المجانية أتواجد.”
ثم ترك فراغاً بهيئة نقاط، لعله يعرف، أو لعل الموت يهمس لمن يقربون منه، حيث أضاف:
“وإن رحلت.. فلا ترقبي الدرب بعدي، وزوري قبري.. إن كان لي قبر وشاخص مثل غيري، لنقول معا ما لم نقله من قبل”
انفجرت الدموع دفعة واحدة، لا على الموت وحده، بل على غربته.. أن يغادر إنسان كان بينهم نبضاً، ويُسلم إليهم أثرا.
حملوه في طرقات القرية، كما لو أنهم يعيدونه إلى طفولته، إلى التراب الذي عرف خطواته الأولى، إلى الأمكنة التي حفظت صوته في ذاكرتها.
كانت القرية كلها تمشي خلفه، لكنها لم تكن جنازة بقدر ما كانت عودة صامتة، عودة رجل لم يعد.
وحين أُنزل في مثواه الأخير، انحنى الأب، وأطلق زفرة كسرت ما تبقى فيه وهو يحتضن حفيده الصغير، وبكلمات مترعة بمداد الدموع ووجع الروح، أخذ يردد:
“سأبكي بحرقةِ المفجوع”
تلاقت العيون عند الطفل: يتيم بلا ذاكرة، فقد أباه قبل أن يراه، وفقد أمه قبل أن يفهم غيابها.. حين أُجبرت على أن تمضي في حياة لا تشبهها، وفق أعراف لا تستمع إلى نداء القلوب.
عندها فقط، لم يعد الحزن حزناً واحداً، بل صار سلالة من الفقد، تمتد من رفات الأب إلى فراغ قلب الابن.
وفي صمت المقبرة، والبيوت المجاورة اتخذت سكينة المكان نفسه، كأنه لم يترك على رمال الزمان آثار خطاه. لم يكن الرفات نهاية الحكاية، بل بدايتها. هي حكاية ظل عاد إلى أرض طفولته، ليترك في الأحياء ما هو أثقل من الموت.
وصية على سواتر الموت
وصية على سواتر الموت
بعد سنتين من الغياب، جاء الخبر الذي ظل مؤجلاً بين الرجاء والخوف: لم يبق للعائلة إلا أن تستلم رفات ولدها الذي ابتلعته سوح القتال.
لم يكن اليقين قد استقر في قلوبهم بعد؛ كان الأمل يندس كل مساء بين أنفاسهم، وهم يلتفون حول مذياع قديم، يلصقونه بآذانهم في صمت متوتر، يتحايلون على التشويش، ويصغون إلى إذاعة الجانب الآخر، علّ اسمه يُنادى بين الأسرى، لعلّ الحياة وإن كانت مقيدة ما زالت تسكنه.
كانوا يعرفون أن للحرب لغتها، وأن التشويش ليس صدفة أو خللاً عابراً، بل جزء من معركة تُخاض في الداخل، كما في الجبهات.
حين وصل التابوت، كان خفيفاً على نحو متوقع لكنه يثير الخوف أكثر مما يخففه، كأن الخشب وحده هو الذي عاد، أما الجسد فقد تلاشى في مكان لا يُرى.
تجمع أهل القرية بصمت ثقيل عند مرفأ العبارة في الجهة الشرقية من نهر دجلة؛ وجوهٌ جامدة، وعيون تبحث عن يقين لا يأتي. هم على إدراك تام أن في داخل التابوت عظام متناثرة، لكنهم استلموا كذلك من المأمور كيساً صغيراً رمادياً شفافاً، يظهر في داخله قرصٌ معدني يحمل اسمه الثلاثي.
وحين فُتح الكيس، تأكدت القلوب، لا لأنهم رأوه، بل لأن ما تبقى منه أصر أن يدلّ عليهم. كانت المحفظة الصغيرة أكثر قسوة من الرفات نفسها، يابسة، متيبسة، كأنها صمدت لتقول ما لم يستطع الجسد قوله.
فتحها أحدهم بارتباك، فانسكبت منها حياة قصيرة لم تكتمل؛ عقد زواج لم يعش أكثر من أسبوع، وصورة حلم انكسر وهو يولد، وورقة صغيرة، كأنها آخر ما تبقى من صوت الراحل.
قُرئت الوصية، كأنها الصوت الوحيد الذي نجا من الحرب:
“أوصيكِ بالعهد… فأنا على سواتر الموت المجانية أتواجد.”
ثم ترك فراغاً بهيئة نقاط، لعله يعرف، أو لعل الموت يهمس لمن يقربون منه، حيث أضاف:
“وإن رحلت.. فلا ترقبي الدرب بعدي، وزوري قبري.. إن كان لي قبر وشاخص مثل غيري، لنقول معا ما لم نقله من قبل”
انفجرت الدموع دفعة واحدة، لا على الموت وحده، بل على غربته.. أن يغادر إنسان كان بينهم نبضاً، ويُسلم إليهم أثرا.
حملوه في طرقات القرية، كما لو أنهم يعيدونه إلى طفولته، إلى التراب الذي عرف خطواته الأولى، إلى الأمكنة التي حفظت صوته في ذاكرتها.
كانت القرية كلها تمشي خلفه، لكنها لم تكن جنازة بقدر ما كانت عودة صامتة، عودة رجل لم يعد.
وحين أُنزل في مثواه الأخير، انحنى الأب، وأطلق زفرة كسرت ما تبقى فيه وهو يحتضن حفيده الصغير، وبكلمات مترعة بمداد الدموع ووجع الروح، أخذ يردد:
“سأبكي بحرقةِ المفجوع”
تلاقت العيون عند الطفل: يتيم بلا ذاكرة، فقد أباه قبل أن يراه، وفقد أمه قبل أن يفهم غيابها.. حين أُجبرت على أن تمضي في حياة لا تشبهها، وفق أعراف لا تستمع إلى نداء القلوب.
عندها فقط، لم يعد الحزن حزناً واحداً، بل صار سلالة من الفقد، تمتد من رفات الأب إلى فراغ قلب الابن.
وفي صمت المقبرة، والبيوت المجاورة اتخذت سكينة المكان نفسه، كأنه لم يترك على رمال الزمان آثار خطاه. لم يكن الرفات نهاية الحكاية، بل بدايتها. هي حكاية ظل عاد إلى أرض طفولته، ليترك في الأحياء ما هو أثقل من الموت.
التعليقات