الذئاب

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 1 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2359
الذئاب

الذئاب

 

كان يجلس في موضعه المعتاد، كأن المكان جزء من ذاكرته لا يغادرها ولا تغادره. بركة الماء أمامه، محاطة بالقصب الكثيف الذي يخفي ما وراءه أكثر مما يكشفه. هناك، حيث تتردد خطوات الغزلان في الصباح الباكر، كان يسبق الجميع، لا ليشرب، بل ليصطاد.

يحمل بندقيته القديمة، تلك التي ورثت عمره كما ورثت صدأها، لا تحمل إلا سبع طلقات بدائية: رصاصة، بارود، وقطن يُحشى على عجل. ومع ذلك كان يراهن عليها كما يراهن على نفسه، وعلى فكرة الصياد الذي لا يُهزم.

لكن ذلك الصباح لم يأتِ كما اعتاد .لم تظهر الغزلان. المكان بدا ساكناً على نحوٍ غير مألوف، كأن الطبيعة نفسها تتردد في التنفس. راح يراقب البركة بصبر متوتر، إلى أن قطع الصمت ذئب كبير اقترب من حافة المدى، ثم توقف. لم يهاجم، لكنه عوى… عواءً طويلاً كأنه استدعاء لشيء أقدم من الغريزة.

في لحظات، بدأ القطيع يتشكل من العدم تقريباً. واحد… ثم اثنان… ثم سبعة.

سبعة ذئاب .وفي الجهة الأخرى: سبع طلقات فقط.

كان بإمكانه الانسحاب. العقل يهمس بذلك. لكن شيئاً أعمق من العقل كان قد سبق القرار: تاريخه، صورته، ذلك الكبرياء الذي لا يسمح له أن يعود خاسراً من معركة لم يخترها. كان يعرف أيضاً أن الذئاب لا تتراجع، وإن تراجعت فإنها تفعل ذلك وهي تنزف أو تموت. فاختار أن يبقى.

بدأت المواجهة.

تقدمت الذئاب ببطء ثم تسارعوا، كأنهم يختبرون حدود الخوف فيه. أطلق الرصاصة الأولى، فسقط أولهم. توقف الباقون لحظة، ليس خوفاً، بل كأنهم يودّعون القتيل، ثم واصلوا الركض.

رصاصة ثانية… ثالثة… رابعة…

كان يحشو بندقيته بسرعةٍ يشبه الذعر المنظم. كل طلقة كانت تشتري له لحظة حياة إضافية، وكل تأخير كان يقرّب النهاية خطوة. لم يكن يملك رفاهية الخطأ؛ فطلقة واحدة ضائعة تعني أن الحكاية كلها ستُكتب بصيغة أخرى… وربما بلا حكاية.

سقط الخامس. ثم السادس. وبقي السابع.

اقترب حتى صار بينه وبين الموت مسافة قصيرة لا تكفي للتفكير. أطلق. أصابه، لكنه لم يقتله. كأن الرصاصة نفسها ترددت في الحسم. في لحظة مفصلية، لم يعد هناك وقت لإعادة التعبئة. أخرج خنجره، واندفع، لكن الذئب الجريح كان أسرع في الانسحاب مما بدا… وترك خلفه صمتاً ثقيلاً.

انتهت المعركة، لكنها لم تنتهِ داخله.

كان واقفاً هناك، لا يعرف إن كان منتصراً أم ناجياً أم شيئاً ثالثاً لا اسم له. تساءل بصوتٍ داخليٍ متصدّع:

“هل سيصدق أحد هذه الحكاية؟ وهل يكفي التاريخ ليحمي صاحبه حين يخذله الواقع؟ أم أن بعض المعارك تُربح في الجسد وتُخسر في المعنى؟”

عاد إلى بيته مثقلاً بصمتٍ لا يشبه التعب فقط، بل يشبه الشك. ظل السؤال يطارده:

“ماذا لو لم تكن الذئاب سبعة فقط؟ ماذا لو كانت المعركة أكبر من بندقية ومن شجاعة؟”

وفي صباحٍ لاحق، عاد إلى المكان. كان الذئب السابع الجريح قد سقط ميتاً عند بركة الماء. وقف طويلاً .ولأول مرة لم يشعر أنه أنهى معركة… بل أنه مرّ بها فقط، دون أن يفهم تماماً هل انتصر فيها أم لا؟

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أنقاض

أنقاض

أنقاض   كان عالمُ المدينة ضيقَ الملامح؛ بيوتٌ متلاصقة، وأزقة مكتظة، وعشوائية بناءٍ نبتت في…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
30 مايو 2026
اقرأ المزيد
جدلیة الغیاب والانتظار  تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود

جدلیة الغیاب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود

جدلیة الغیاب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود   في قصة…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
25 مايو 2026
اقرأ المزيد
عقدُ اللؤ لؤ 

عقدُ اللؤ لؤ 

عقدُ اللؤ لؤ  داود سلمان عجاج تعشقُ الموسيقى الصاخبةَ التي تتناغمُ واضطراب دواخلها التي لا…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
21 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الذئاب

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 1 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

الذئاب

 

كان يجلس في موضعه المعتاد، كأن المكان جزء من ذاكرته لا يغادرها ولا تغادره. بركة الماء أمامه، محاطة بالقصب الكثيف الذي يخفي ما وراءه أكثر مما يكشفه. هناك، حيث تتردد خطوات الغزلان في الصباح الباكر، كان يسبق الجميع، لا ليشرب، بل ليصطاد.

يحمل بندقيته القديمة، تلك التي ورثت عمره كما ورثت صدأها، لا تحمل إلا سبع طلقات بدائية: رصاصة، بارود، وقطن يُحشى على عجل. ومع ذلك كان يراهن عليها كما يراهن على نفسه، وعلى فكرة الصياد الذي لا يُهزم.

لكن ذلك الصباح لم يأتِ كما اعتاد .لم تظهر الغزلان. المكان بدا ساكناً على نحوٍ غير مألوف، كأن الطبيعة نفسها تتردد في التنفس. راح يراقب البركة بصبر متوتر، إلى أن قطع الصمت ذئب كبير اقترب من حافة المدى، ثم توقف. لم يهاجم، لكنه عوى… عواءً طويلاً كأنه استدعاء لشيء أقدم من الغريزة.

في لحظات، بدأ القطيع يتشكل من العدم تقريباً. واحد… ثم اثنان… ثم سبعة.

سبعة ذئاب .وفي الجهة الأخرى: سبع طلقات فقط.

كان بإمكانه الانسحاب. العقل يهمس بذلك. لكن شيئاً أعمق من العقل كان قد سبق القرار: تاريخه، صورته، ذلك الكبرياء الذي لا يسمح له أن يعود خاسراً من معركة لم يخترها. كان يعرف أيضاً أن الذئاب لا تتراجع، وإن تراجعت فإنها تفعل ذلك وهي تنزف أو تموت. فاختار أن يبقى.

بدأت المواجهة.

تقدمت الذئاب ببطء ثم تسارعوا، كأنهم يختبرون حدود الخوف فيه. أطلق الرصاصة الأولى، فسقط أولهم. توقف الباقون لحظة، ليس خوفاً، بل كأنهم يودّعون القتيل، ثم واصلوا الركض.

رصاصة ثانية… ثالثة… رابعة…

كان يحشو بندقيته بسرعةٍ يشبه الذعر المنظم. كل طلقة كانت تشتري له لحظة حياة إضافية، وكل تأخير كان يقرّب النهاية خطوة. لم يكن يملك رفاهية الخطأ؛ فطلقة واحدة ضائعة تعني أن الحكاية كلها ستُكتب بصيغة أخرى… وربما بلا حكاية.

سقط الخامس. ثم السادس. وبقي السابع.

اقترب حتى صار بينه وبين الموت مسافة قصيرة لا تكفي للتفكير. أطلق. أصابه، لكنه لم يقتله. كأن الرصاصة نفسها ترددت في الحسم. في لحظة مفصلية، لم يعد هناك وقت لإعادة التعبئة. أخرج خنجره، واندفع، لكن الذئب الجريح كان أسرع في الانسحاب مما بدا… وترك خلفه صمتاً ثقيلاً.

انتهت المعركة، لكنها لم تنتهِ داخله.

كان واقفاً هناك، لا يعرف إن كان منتصراً أم ناجياً أم شيئاً ثالثاً لا اسم له. تساءل بصوتٍ داخليٍ متصدّع:

“هل سيصدق أحد هذه الحكاية؟ وهل يكفي التاريخ ليحمي صاحبه حين يخذله الواقع؟ أم أن بعض المعارك تُربح في الجسد وتُخسر في المعنى؟”

عاد إلى بيته مثقلاً بصمتٍ لا يشبه التعب فقط، بل يشبه الشك. ظل السؤال يطارده:

“ماذا لو لم تكن الذئاب سبعة فقط؟ ماذا لو كانت المعركة أكبر من بندقية ومن شجاعة؟”

وفي صباحٍ لاحق، عاد إلى المكان. كان الذئب السابع الجريح قد سقط ميتاً عند بركة الماء. وقف طويلاً .ولأول مرة لم يشعر أنه أنهى معركة… بل أنه مرّ بها فقط، دون أن يفهم تماماً هل انتصر فيها أم لا؟