حیاة صاخبة

صورة الكاتب
بقلم: اسماعيل آلرجب
التاريخ: 6 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2467
حیاة صاخبة

حیاة صاخبة

 

تيك.. تاك.. تيك.. تاك.. صوت كأنّه مطارق تقرع جمجمة أيوب. تفوح من غرفته روائح نتنة؛ مزيج من عطر نسائي رخيص، تبغ محروق، معدن صدئ ، على الطاولة رزم مبعثرة من الأموال المسروقة، اغطيته متكورة على بعضها وفراش كأنّه ميدان معركة منتهية ، تركتْ بقع من آثار الفسق والمجون ، يجلس على حافّة السرير مطأطأ الرأس يستعرض نشاطه اليومي ، دموع ضحاياه الذين ابتزهم ، وجوه نسائية ، اجساد عارية، صور تمر امامه كشريط سينمائي .
شعر فجأة ان نبضه يتعالى في صدره وموجة من الألم تجتاح كيانه ، جمد الهواء في رئتيه وصار شهيقه صعبا ، انقطع تيار الدفء في عروقه ، بدأجسده يثقل واطرافه تتجمّد ، سقطت سيجارته التي كانت عالقة بفمه لتكوي السجّاد تحت قدميه وقد فقد القدرة على إطفائها . التفت بطرف عينه ليرى رجلاً يجلس على المقعد المقابل.
لم يسمع صوتا لفتح الباب أو النافذة. كان الرجل يرتدي معطفاً رماديا، ملامحه تخلو من أي تعبير ، كأن جسده منحوت من عظام . وحين صوّب نظراته نحوي ” يقول أيوب ” شعرت بخوف شديد كأن الأرض تزلزلت تحت قدميّ “:
من هذا؟ الّذي اتى في وقت متأخر ولم يوقفه حارس العمارة ، ولم تنبح عليه الكلاب في الخارج ، لااستطيع تحريك اصابعي ، اشعر بالبرد الشديد في عظامي”
كأنّي سمعتُ صدى صوت الزائر حين حرّك شفتيه : “لقد جئتك يا أيوب. ”
انظر الى جثتك الهامدة ، كم اتعبتها بأموالك المسروقة وسهراتك الماجنة!!
التفت أيوب بهلع، ليرى نفسه بالفعل ممدداً على السرير، عيناه زجاجيتان وفمه مفتوح. لم يعد جسده ملكه، بل صار كأنّه حاجة من “حاجيات” الغرفة.
أخرج الزائر الرمادي من جيب معطفه دفتراً صغيراً وقلماً ، وضعهما على الطاولة فوق رزم الأموال المسروقة بلا مبالاة، وكأن ملايين أيوب ليست سوى مسند يتكئ عليه الزائر ليكتب .
قال بصوت يشبه حفيف الورق : “القضية رقم ٨٨٧، لقد تأخرتَ في تقديم الطعن يا أيوب، والآن صدر القرار النهائي.”
ارتجف أيوب وكأنّه يطفو في فراغ :
“أي قضية؟ أي طعن؟ لم يخبرني أحد بوجود محاكمة! أنا لم أستلم أي إشعار!”
ابتسم الزائر وقال وهو يقلب الصفحات: “الجهل بالقانون لا يحمي المغفلين، يا أيوب. المحكمة تعمل دائماً، في الطابق العلوي لوجدانك . كل ليلة كنت تبتز فيها امرأة، كان الكاتب يسجل في صفحاتك . والآن، امتلأ السجل.”
بدا الزائز يزداد طولاً حتى قارب السقف، وامتدت يده الرخامية نحوي ، مسك بي كأنه يقبض على متهم هارب في زقاق ضيق. أشعر كأنّي اتمرّغ بالصقيع ، وقد تركت خلفي جسدا ملوثا بالخطايا .
وفي ذروة الرعب، وحين ظننتُ أنّي اتمزق من شدة الفزع، تراجع الزائر خطوة إلى الوراء، وأغمض عينيه. في تلك اللحظة انقشع سواد الغرفة، وبدأت اشم رائحة المطر وهي تضرب تراب الأرض . دخلت الى الحمام فاغتسلت ولبست دشداشتي البيضاء اجتاحتني موجة من البكاء كطفل ضائع.
خرجت من المسجد في تلك الليلة الماطرة ، فرأيت رجلاً طاعناً في السن يرتجف ، نزعت معطفي الثمين والسعادة تملأ قلبي، وألبسته إياه، وضعت في جيبه رزمة من المال ،
ومع تدفق العطاء يشعر أيوب بنبضه يعود دافئاً ، ويشتاق الى ذلك الزائر ويتمنى عودته.
الزائر هذه المرّة لم يكن متجهما ، نظراته مفعمة بسكينة تشبه هدوء الفجر بعد ليلة عاصفة ، كأب حنون، أو كصديق قديم . أدرك أيوب في تلك “اللحظة المتوهجة” أن الموت ليس سوى مرآة ؛ إن كان هومظلماً يرآه مظلماً،.
تحدث هذه المرة بصوت حنون : “أنا لست عدواً يا أيوب.. أنا نهاية الابتلاء.”
هدأت نفس أيوب. نظر إلى رزم المال على الطاولة فلم تعد تعني له شيئاً، كأن صلواته الخفية ومساعدته للمحتاجين قد شكلت له درعاً يغسل ثوب خطيئته.
نهض أيوب من مقعده. لم يكن هناك أي سلاسل، ولا انتزاع عنيف. تحركت رجلاه بخفة لم يعهدها من قبل، كأن جسده الثقيل تحول إلى أثير.
وقف أمام الزائر الرمادي، وابتسم ابتسامة رقيقة ممزوجة بالندم ، مد يده الطويلة الى أيوب؛ فمد يده له ، وشبك أصابعه بأصابع الزائر ،، انفتح باب الغرفة تلقائياً على فضاء لا متناهٍ. خطا أيوب مع رفيقه الجديد إلى الخارج. كان العالم خلفهما يتلاشى كدخان، بينما أمامهما يمتد بساط من ضباب ابيض كثيف يلتحفه السكون .
سارا معاً خطوة بخطوة، كتفاً بكتف، يداً بيد. ومع كل خطوة يتوغلانها في الضباب، كانت ظلالهما تذوب وتتلاشى حتّى تواريا ، وتركا خلفهما صخب الحياة .

عن الکاتب / الکاتبة

اسماعيل آلرجب
اسماعيل آلرجب
قاص وكاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

شرود ذهني

شرود ذهني

شرود ذهني.. استيقظت حينها لأجد مقعدي محاصراً بالمعدن، أصوات ولغط: “أسرعوا بإعادة السيارة لوضعها الطبيعي،…

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
15 يونيو 2026
اقرأ المزيد
قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب)  للكاتب التشيكي فرانز كافكا

قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب) للكاتب التشيكي فرانز كافكا

قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب) للكاتب التشيكي فرانز كافكا   سنحاول تلخيص القراءة على…

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
1 يونيو 2026
اقرأ المزيد
صبحة

صبحة

صبحة ينقشع ضباب الفجر في اول اطلالة ضوء على وجه “صبحة”، وجهٌ حفر فيه ازميل…

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
25 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حیاة صاخبة

بقلم: اسماعيل آلرجب | التاريخ: 6 يوليو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

حیاة صاخبة

 

تيك.. تاك.. تيك.. تاك.. صوت كأنّه مطارق تقرع جمجمة أيوب. تفوح من غرفته روائح نتنة؛ مزيج من عطر نسائي رخيص، تبغ محروق، معدن صدئ ، على الطاولة رزم مبعثرة من الأموال المسروقة، اغطيته متكورة على بعضها وفراش كأنّه ميدان معركة منتهية ، تركتْ بقع من آثار الفسق والمجون ، يجلس على حافّة السرير مطأطأ الرأس يستعرض نشاطه اليومي ، دموع ضحاياه الذين ابتزهم ، وجوه نسائية ، اجساد عارية، صور تمر امامه كشريط سينمائي .
شعر فجأة ان نبضه يتعالى في صدره وموجة من الألم تجتاح كيانه ، جمد الهواء في رئتيه وصار شهيقه صعبا ، انقطع تيار الدفء في عروقه ، بدأجسده يثقل واطرافه تتجمّد ، سقطت سيجارته التي كانت عالقة بفمه لتكوي السجّاد تحت قدميه وقد فقد القدرة على إطفائها . التفت بطرف عينه ليرى رجلاً يجلس على المقعد المقابل.
لم يسمع صوتا لفتح الباب أو النافذة. كان الرجل يرتدي معطفاً رماديا، ملامحه تخلو من أي تعبير ، كأن جسده منحوت من عظام . وحين صوّب نظراته نحوي ” يقول أيوب ” شعرت بخوف شديد كأن الأرض تزلزلت تحت قدميّ “:
من هذا؟ الّذي اتى في وقت متأخر ولم يوقفه حارس العمارة ، ولم تنبح عليه الكلاب في الخارج ، لااستطيع تحريك اصابعي ، اشعر بالبرد الشديد في عظامي”
كأنّي سمعتُ صدى صوت الزائر حين حرّك شفتيه : “لقد جئتك يا أيوب. ”
انظر الى جثتك الهامدة ، كم اتعبتها بأموالك المسروقة وسهراتك الماجنة!!
التفت أيوب بهلع، ليرى نفسه بالفعل ممدداً على السرير، عيناه زجاجيتان وفمه مفتوح. لم يعد جسده ملكه، بل صار كأنّه حاجة من “حاجيات” الغرفة.
أخرج الزائر الرمادي من جيب معطفه دفتراً صغيراً وقلماً ، وضعهما على الطاولة فوق رزم الأموال المسروقة بلا مبالاة، وكأن ملايين أيوب ليست سوى مسند يتكئ عليه الزائر ليكتب .
قال بصوت يشبه حفيف الورق : “القضية رقم ٨٨٧، لقد تأخرتَ في تقديم الطعن يا أيوب، والآن صدر القرار النهائي.”
ارتجف أيوب وكأنّه يطفو في فراغ :
“أي قضية؟ أي طعن؟ لم يخبرني أحد بوجود محاكمة! أنا لم أستلم أي إشعار!”
ابتسم الزائر وقال وهو يقلب الصفحات: “الجهل بالقانون لا يحمي المغفلين، يا أيوب. المحكمة تعمل دائماً، في الطابق العلوي لوجدانك . كل ليلة كنت تبتز فيها امرأة، كان الكاتب يسجل في صفحاتك . والآن، امتلأ السجل.”
بدا الزائز يزداد طولاً حتى قارب السقف، وامتدت يده الرخامية نحوي ، مسك بي كأنه يقبض على متهم هارب في زقاق ضيق. أشعر كأنّي اتمرّغ بالصقيع ، وقد تركت خلفي جسدا ملوثا بالخطايا .
وفي ذروة الرعب، وحين ظننتُ أنّي اتمزق من شدة الفزع، تراجع الزائر خطوة إلى الوراء، وأغمض عينيه. في تلك اللحظة انقشع سواد الغرفة، وبدأت اشم رائحة المطر وهي تضرب تراب الأرض . دخلت الى الحمام فاغتسلت ولبست دشداشتي البيضاء اجتاحتني موجة من البكاء كطفل ضائع.
خرجت من المسجد في تلك الليلة الماطرة ، فرأيت رجلاً طاعناً في السن يرتجف ، نزعت معطفي الثمين والسعادة تملأ قلبي، وألبسته إياه، وضعت في جيبه رزمة من المال ،
ومع تدفق العطاء يشعر أيوب بنبضه يعود دافئاً ، ويشتاق الى ذلك الزائر ويتمنى عودته.
الزائر هذه المرّة لم يكن متجهما ، نظراته مفعمة بسكينة تشبه هدوء الفجر بعد ليلة عاصفة ، كأب حنون، أو كصديق قديم . أدرك أيوب في تلك “اللحظة المتوهجة” أن الموت ليس سوى مرآة ؛ إن كان هومظلماً يرآه مظلماً،.
تحدث هذه المرة بصوت حنون : “أنا لست عدواً يا أيوب.. أنا نهاية الابتلاء.”
هدأت نفس أيوب. نظر إلى رزم المال على الطاولة فلم تعد تعني له شيئاً، كأن صلواته الخفية ومساعدته للمحتاجين قد شكلت له درعاً يغسل ثوب خطيئته.
نهض أيوب من مقعده. لم يكن هناك أي سلاسل، ولا انتزاع عنيف. تحركت رجلاه بخفة لم يعهدها من قبل، كأن جسده الثقيل تحول إلى أثير.
وقف أمام الزائر الرمادي، وابتسم ابتسامة رقيقة ممزوجة بالندم ، مد يده الطويلة الى أيوب؛ فمد يده له ، وشبك أصابعه بأصابع الزائر ،، انفتح باب الغرفة تلقائياً على فضاء لا متناهٍ. خطا أيوب مع رفيقه الجديد إلى الخارج. كان العالم خلفهما يتلاشى كدخان، بينما أمامهما يمتد بساط من ضباب ابيض كثيف يلتحفه السكون .
سارا معاً خطوة بخطوة، كتفاً بكتف، يداً بيد. ومع كل خطوة يتوغلانها في الضباب، كانت ظلالهما تذوب وتتلاشى حتّى تواريا ، وتركا خلفهما صخب الحياة .