كان الحر في ذلك اليوم يشبه مخلوقآ خفيآ يجلس معنا في الحافلة يزاحمنا المقاعد والأنفاس ويضع يده الثقيلة على وجوهنا
جلست قرب النافذة أبحث عن شيء يسرقني من ضيق المكان ولهيب الجو فإذا بعيني تستقران على رجل يجلس أمامي أصلع الرأس وقد غطّت صلعته طبقة من العرق الندي حتى بدت كأنها صفحة صغيرة من ماء تحت شمس شهر أب
ولم أدرِ كيف ظهرت النملة
كانت صغيرة إلى حد يجعل وجودها على تلك الصلعة أقرب إلى الوهم. تسلقت من خلف رأس الرجل ثم راحت تمشي ببطء تتقدم قليلآ وتتوقف قليلآ ثم تغير اتجاهها كأنها تبحث عن شيء فقدته
شدتني إليها
نسيت الحر وضجيج الحافلة وأحاديث الركاب المتقطعة وصرت أراقبها
مرت دقيقة… ثم خمس… ثم عشر.
كنت أتابع خطواتها الصغيرة كما يتابع المرء مسافرآ ضل طريقه في مدينة لا يعرفها
كانت النملة تسير بلا هدى
تتقدم نحو مقدمة الرأس ثم تعود، تصعد قليلآ وتنحرف يمينآ وكأنها تحاول أن تتذكر الطريق الذي جاءت منه
قلت في نفسي تُرى، هل تعرف أنها ضلت الطريق؟
هل كانت تبحث عن جماعتها التي ربما سبقتها وتركتها خلفها؟
أم أنها كانت تحاول العودة إلى بيتها حيث تنتظرها صغار جائعة لا تعرف لماذا تأخرت أمها؟
وربما كانت هناك ملكة نمل تنتظر عودتها وقد لا تعذرها على هذا التأخر الطويل
ابتسمت للفكرة.
كيف يمكن لنملة بهذا الحجم أن تحمل كل هذه المسؤوليات؟
لكنني سرعان ما تراجعت عن ابتسامتي
أليست الحياة في جوهرها، سلسلة من الطرق التي نسلكها ونحن لا نعرف إلى أين تقودنا؟
كانت النملة تواصل رحلتها فوق تلك الصلعة اللامعة بينما الرجل لا يشعر بها. فقد كان العرق يغطي رأسه ويبدو أن حرارة الجو أخرت إحساسه بدبيب أقدامها
ظللت أراقبها بدهشة
خمسة عشر دقيقة كاملة وأنا لا أفكر إلا بها
ثم بدأ العرق يجف
وفجأة تحرك الرجل.
رفع يده إلى رأسه بضيق ومسح صلعته بحركة سريعة، فكانت النهاية
اختفت النملة تحت كفه
توقفتُ عن التنفس للحظة.
كنت قد قضت خمسة عشر دقيقة كاملة من وقتي وأخذتني معها في رحلة طويلة من الأسئلة ثم انتهت رحلتها في لحظة واحدة دون أن أعرف حتى إلى أين كانت تريد الوصول
نظرت إلى رأس الرجل ثم إلى يده ثم عدت إلى النافذة
وبدأت أتساءل
ماذا كان يدور في عقل تلك النملة؟
هل كانت تفكر في الطريق الذي سلكته وتحاول أن تجد طريق العودة إلى مجموعتها؟
هل كانت تفكر في صغارها الذين ينتظرون الطعام؟
هل كانت تخشى عقوبة الملكة بسبب تأخرها؟
أم أنها ببساطة لم تكن تفكر في شيء من ذلك كله؟
ربما كانت تمشي فقط.
ربما كانت الطبيعة قد دفعتها إلى الأمام كما تدفعنا الحياة أحيانآ في طرق لا نعرف نهاياتها.
وربما كنت أنا الذي حمّلتها أفكاري ومنحتها همومي وجعلت من خطواتها الصغيرة حكاية أكبر من حجمها.
ضحكت في سري
كم نحن بارعون في تفسير أشياء لا نعرف عنها شيئًا !
كنت غارقًا في تأملاتي حين جاء صوت السائق من مقدمة الحافلة
— تفضل، انزل… وصلنا إلى آخر محطة.
نظرت حولي مرتبكآ
نزل الركاب واحدآ تلو الآخر، وبقيت للحظات جالسآ في مكاني.
ثم نزلت.
وقبل أن أبتعد التفت إلى الحافلة وتذكرت النملة
تساءلت للمرة الأخيرة
هل وصلت إلى محطتها الأخيرة قبل أن أصل أنا؟
ثم مضيت.
ولم أعرف، حتى الآن من كان أكثر ضياعآ في ذلك اليوم…
النملة أم أنا.
داود سلمان عجاج
محمد جبر حسن
التعليقات