رياض المولى في جذور القصب: من جذور المكان إلى غربة الإنسان

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 13 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3758
رياض المولى في جذور القصب: من جذور المكان إلى غربة الإنسان

الورقة النقدية التي قدمت في جلسة نادي السرد الاتحاد الادباء والكتاب الخاصة لرواية ( جذور القصب) للروائي رياض المولى

“رياض المولى في جذور القصب: من جذور المكان إلى غربة الإنسان”

 

حين نقترب من رواية “جذور القصب” للروائي رياض المولى، فإن أول ما يستوقفنا هو العنوان، فالعنوان هنا ليس فقط تسمية للعمل، وإنما عتبة دلالية تقودنا إلى واحدة من أهم ثيماته: الجذور، والانتماء، والبحث عن الوطن، ثم اكتشاف أن الإنسان قد يحمل غربته معه حتى وهو واقف فوق أرضه. كلمة “جذور” تحيل مباشرة إلى التاريخ والأصل والامتداد، بينما “القصب” يحيل إلى المكان العراقي وبالأخص إلى الأهوار بما تمثله من ذاكرة وهوية وبيئة. والقصب لا يعيش بعيداً عن الماء والطين كما أن الإنسان العراقي في الرواية لا يستطيع أن يفصل نفسه بسهولة عن المكان الذي تشكلت فيه ذاكرته الأولى. وقد يستدعي العنوان من حيث الإيحاء رواية “ساق البامبو “للروائي الكويتي سعود السنعوسي؛ فالبامبو نبات قادر على النمو في بيئات مختلفة، بينما القصب في رواية رياض المولى يبدو أكثر التصاقاً بمكانه وجذوره. ومن هنا تصبح المقارنة مجرد تناص عابر، لأن الروايتين تنشغلان كل بطريقتها بسؤال الهوية والانتماء. ومنذ الصفحات الأولى نجد أنفسنا أمام رواية تتحرك بين أمكنة وأزمنة متعددة: الأهوار، وقلعة صالح، والعمارة، والبصرة، وبغداد، وزاخو، ثم لندن. كما تتحرك بين عام 1929 وما بعد عام 2003، لتقدم لنا حكاية أسرة عراقية تمتد عبر أجيال، وتكشف من خلالها تحولات المجتمع العراقي ومآلات الإنسان الذي تتقاذفه الظروف السياسية والاجتماعية والتاريخية. ولعل أجمل ما في الرواية أن رياض المولى لا يقدم التاريخ بوصفه مادة مدرسية، وإنما يحاول أن يجعله خلفية لحياة أشخاص عاديين، أشخاص يعيشون الفقر والحب والخوف والهجرة والعمل والزواج والخسارة ويجدون أنفسهم من دون أن يختاروا ذلك داخل تاريخ أكبر منهم. ويبدأ الروائي من لندن عام 2003 في لحظة سقوط نظام صدام حسين، ليعيدنا بعد ذلك إلى الماضي. وهذا الاستهلال يمنح الرواية منذ البداية حركة بين الحاضر والماضي وبين المكان البعيد والمكان الأصلي وبين من اختار الغربة ومن يحلم بالعودة.

-فرهود… الجذر الأول

في الجيل الأول ينجح رياض المولى في بناء شخصية فرهود بوصفها شخصية محورية تحمل الكثير من دلالات الرواية. فرهود ليس بطلاً أسطورياً بالمعنى التقليدي، وإنما إنسان دفعه الفقر وضيق الرزق إلى مغادرة بيئته الأولى.

يقول الروائي:

“لم يفد فرهود إلى القرية بطراً، بل دفعه إليها سوء حاله وضيق مصادر رزقه وشحتها”.

وهذه العبارة تلخص جانباً مهماً من عالم الرواية، فالرحيل ليس دائماً اختياراً وإنما قد يكون نتيجة مباشرة للفقر والحرمان. ومن هنا يبدأ فرهود رحلته من الأهوار إلى قلعة صالح، ثم البصرة، ثم بغداد، في رحلة يمكن قراءتها باعتبارها رحلة البحث عن حياة أفضل، لكنها في الوقت نفسه رحلة ابتعاد تدريجي عن الجذور. ويقدم المولى الأمكنة بعين السارد الذي يعرف تفاصيلها ولذلك نشعر بنكهة الأهوار وبعبق البصرة ومينائها وخاناتها وبصورة بغداد التي تبدو في مخيلة فرهود مدينة مختلفة تماماً عن عالم الطين والماء والشجر الذي عرفه.

-الخاص يطغى على العام

من أبرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الرواية أن الخاص فيها يطغى على العام.

فالروائي يلامس أحداثاً تاريخية وسياسية مهمة لكنه لا يمنحها المساحة نفسها التي يمنحها لعالم الشخصيات. نحن أمام قرن تقريباً من التاريخ العراقي ومع ذلك تمر بعض المفاصل الكبرى بسرعة بينما تتوقف الرواية طويلاً أمام تفاصيل الحياة اليومية للعائلة.

وقد اختار رياض المولى -في تقديري- أن يكون روائياً أكثر من كونه مؤرخاً وهذه نقطة من حقه الفني، فالروائي ليس مطالباً بأن يسجل التاريخ كله. لكن حين تختار الرواية أن تمتد زمنياً عبر أجيال وتربط مصائر شخصياتها بمراحل تاريخية متعاقبة، فإن القارئ يصبح أكثر حساسية تجاه حضور التاريخ وغيابه. فالرواية تتوقف عند موت الملك فيصل، والفرهود عام 1941، وثورة 1958 وتوزيع الأراضي، لكنها لا تستثمر بالقدر نفسه أحداثاً سياسية واجتماعية كبرى كان يمكن أن تؤثر في تكوين الشخصيات ومصائرها. وكان من الممكن مثلاً أن يتحول الفقر والحرمان عند أحد أبناء فرهود إلى وعي طبقي أو انتماء سياسي خصوصاً أن الرواية تقدم لنا أبناءً من طبقات فقيرة يعملون في مهن شاقة. ولو حدث ذلك لربما أصبح التاريخ السياسي أكثر اندماجاً في النسيج العائلي للرواية بدلاً من أن يبقى في بعض المواضع مجرد خلفية زمنية. وهنا لا أطالب الرواية بأن تتحول إلى كتاب تاريخ، وإنما أتساءل: ماذا كان يمكن أن يضيف حضور التاريخ السياسي إلى تطور الشخصيات نفسها؟

-البناء الفني وانتقال الأمكنة

يعتمد المولى على الانتقال بين الأمكنة والأزمنة بوصفه وسيلة لتحريك السرد. من الأهوار إلى البصرة، ومن البصرة إلى بغداد، ومن بغداد إلى زاخو، ثم لندن. وهذه الانتقالات تمنح الرواية اتساعاً جغرافياً واضحاً لكنها في بعض المواضع كانت تحتاج إلى استثمار فني أعمق، لأن المكان في رواية تمتد جذورها إلى الأهوار ليس مجرد خلفية للأحداث، وإنما يمكن أن يكون شخصية موازية. ومع ذلك فإن قوة الرواية تظهر في التفاصيل الصغيرة التي يستخدمها الكاتب لتعميق الشخصيات. فهو لا يحتاج دائماً إلى حدث كبير كي يجعل الشخصية حاضرة، أحياناً يكفي أن يصف طريقة عيشها أو عملها أو خوفها أو علاقتها بالآخرين.

-البصرة وبغداد… مدينتان في ذاكرة الرواية

في البصرة يركز الروائي على الميناء والخانات وعلى اللقاء بين فرهود والتاجر اليهودي “بتو”، الذي يوفر له فرصة العمل والسكن. وهنا تبرز صورة مهمة من صور المجتمع العراقي المتعدد حيث تتجاور الشخصيات المسلمة واليهودية والمسيحية وتتقاطع مصالحها وعلاقاتها اليومية. أما بغداد فتظهر في مخيلة فرهود بوصفها مدينة الحلم مدينة الجسور والمركبات والمراقد والبنايات، المدينة التي تختلف جذرياً عن بيئة الطين والماء التي جاء منها. وهذا الانتقال من الأهوار إلى بغداد ليس انتقالاً جغرافياً فقط وإنما هو انتقال من عالم اجتماعي إلى عالم آخر، ومن بيئة مغلقة إلى فضاء أكثر اتساعاً وتعقيداً.

-أحمد… حين يتحول الجذر إلى سؤال

إذا كان فرهود يمثل الجذر الأول فإن أحمد يمثل الجيل الذي يبدأ في مساءلة هذا الجذر. وهنا تتغير تقنية السرد ويصبح أحمد أكثر حضوراً ووعياً بذاته ويبدأ في نقد أبيه وجده، وفي إعادة النظر في الأساطير التي صنعتها الأسرة حول فرهود.

يقول أحمد:

“ولا أجد فيها ذلك الثائر الأسطوري ـ فرهود ـ بل مجرد كهل يدخن ويشرب الشاي بكثرة ويتسامر مع أصدقائه الكهول”.

وهذه الجملة مهمة جداً، لأنها تكشف المسافة بين ذاكرة العائلة وحقيقة الشخصية.

فكل جيل يعيد صناعة الجيل السابق وفق حاجته النفسية، وقد يكون الجد في ذاكرة الأحفاد بطلاً أسطورياً بينما تكشف الحياة اليومية أنه كان إنساناً عادياً عاش البؤس والخوف والضعف مثل الآخرين. ومن هنا يبدأ أحمد رحلة مختلفة رحلة التمرد والبحث عن الذات ومحاولة التخلص من خوف الفقر والخضوع.

-الغربة داخل الإنسان

أعتقد أن هذه هي الثيمة الأهم في الرواية. فالرواية لا تتحدث عن الغربة باعتبارها مجرد مغادرة العراق والعيش في لندن وإنما تقدم الغربة بوصفها حالة داخلية. أحمد يعود إلى العراق لكنه لا يجد نفسه فيه. ويغادر العراق لكنه لا يستطيع أن يقطع جذوره تماماً.

وفي لحظة حاسمة يقول لزوجته هيام:

“الجذور تأبى أن تنقطع فهي مغروسة في العمق مثل جذور القصب في أرض الأجداد”.

هذه الجملة تكاد تكون المفتاح الحقيقي للعنوان. لكن المفارقة أن الرواية تنتهي بانقلاب دلالة الجذور، فبعد العودة إلى العراق والمشاركة في عالم المعارضة السياسية، وبعد اكتشافه أن الواقع الجديد لا يمنحه ما كان يبحث عنه يعود أحمد إلى لندن، ويقول:

“غربتي التي بداخلي كانت أقوى وأعنف من كل الجذور التي ممكن أن تربطني بأرض الآباء والأجداد”.

وهنا نصل إلى المفارقة الجميلة في الرواية:

الإنسان قد يحمل جذوره معه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يعيش بينها.

وقد تكون هذه الغربة الداخلية أقسى من غربة المكان.

-بين الدين والسياسة والجنس

في القسم المتعلق بأحمد يتحرر الروائي أكثر من تحفظه السابق ويقترب من موضوعات شائكة مثل الدين والسياسة والجنس، وهي موضوعات ترتبط أصلاً بطبيعة شخصية أحمد المتمردة. ويتعرض أحمد للاعتقال والتعذيب ثم يخرج من التجربة بشخصية مختلفة، شخصية أكثر تمرداً وفوضوية، وكأن العنف الذي تعرض له لم يؤد إلى إيمانه بالنظام أو المجتمع وإنما إلى رفض أكثر حدة لكل ما يحيط به. كما يطرح الروائي من خلال علاقات أحمد أسئلة عن التناقض بين التدين والسلوك وبين الشعارات والممارسة، وبين المحرمات التي يتفق عليها المختلفون سياسياً ودينياً.

وهنا يصبح كسر التابو جزءاً من بناء شخصية أحمد وليس مجرد إثارة سردية.

-المعارضة والعودة

في لندن يدخل أحمد إلى عالم المعارضة العراقية وهنا يعود السؤال السياسي بقوة. ويقدم الروائي صورة نقدية للمعارضة التي كانت تستعد لمرحلة ما بعد سقوط النظام، ويكشف من خلال الحوار عن منطق سياسي يقوم على المراوغة والمصلحة وتقاسم السلطة. وبذلك يصبح أحمد أمام مفارقة أخرى: الرجل الذي غادر العراق بحثاً عن مستقبل أفضل يعود مع مشروع سياسي لكنه يكتشف أن الوطن الذي تخيله ليس هو الوطن الذي وجده.

-المخطوطة… ذاكرة تتحدى النسيان

أما المخطوطة اليهودية التي تنتقل من نسيم زلخا إلى فرهود ثم إلى غازي، وصولاً إلى أحمد، فهي من أكثر عناصر الرواية إثارة للاهتمام. فهي ليست فقط شيء ثمين يمكن بيعه وإنما تحمل دلالة رمزية:إنها ذاكرة العراق التي انتقلت من جيل إلى جيل، ومن بيت إلى بيت، ومن زمن إلى آخر. وعندما يكتشف أحمد قيمتها التاريخية يصبح أمام سؤال أخلاقي: هل الأمانة تبقى أمانة إذا مات صاحبها؟ وهل يتحول التاريخ إلى ملكية خاصة؟ بيع المخطوطة بمبلغ كبير يعيدنا مرة أخرى إلى سؤال العلاقة بين الإنسان وماضيه: هل يمكن أن يتحول التاريخ إلى سلعة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبيع جزءاً من ذاكرته من أجل أن يعيش حاضره؟

-ملاحظات أخيرة

لا شك أن للروائي الحق في انتقاء الأحداث التي تخدم حبكته وشخصياته، وليس مطلوباً منه أن يسجل كل ما حدث في العراق. لكن الرواية التي تمتد من 1929 إلى ما بعد 2003، وتتناول ثلاثة أجيال، تصبح بحاجة إلى حساسية أكبر تجاه المفاصل التاريخية الكبرى. كما أن بعض الشخصيات تبدو مستسلمة لواقعها، ولا نرى لديها وعياً واضحاً بأسباب الفقر أو محاولة جدية لتغيير شروط حياتها. وربما كان من الممكن أن تمنح الرواية بعض الشخصيات وعياً طبقياً أو سياسياً أكثر وضوحاً، بما يضيف طبقة أخرى إلى الصراع الروائي. كما أن صورة غازي الشرطي، تبدو في بعض المواضع شديدة المثالية في نزاهتها وكان يمكن جعل الشخصية أكثر التباساً، لأن الشخصيات الروائية تصبح أكثر إقناعاً حين تحمل تناقضاتها لا حين تقدم بوصفها خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من أهمية الرواية، بل على العكس تؤكد أنها رواية تستحق أن نتوقف عندها ونختلف معها ونناقشها.

الخاتمة

في النهاية، أجد أن “جذور القصب” ليست رواية عن عائلة عراقية فقط، ولا عن قرن من التحولات العراقية فحسب، إنها رواية عن الإنسان الذي يبحث عن نفسه بين المكان والذاكرة والمنفى. فرهود يبحث عن حياة أفضل، وأحمد يبحث عن معنى مختلف للانتماء، وبين الاثنين تتغير الأمكنة والأنظمة والأجيال، لكن السؤال يبقى واحداً: هل تكفي الجذور لكي يشعر الإنسان بأنه ينتمي؟

ربما تقول الرواية إن الجذور تمنحنا الذاكرة، لكنها لا تمنحنا بالضرورة الطمأنينة. فالقصب متجذر في الماء والطين لكنه يتحرك مع الريح. والإنسان كذلك قد يبقى وفياً لجذوره لكنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الرحيل. ولهذا فإن أجمل مفارقة في “جذور القصب” أن الرواية تبدأ بالجذور وتنتهي بالغربة، تبدأ بوطن يسكن الذاكرة، وتنتهي بإنسان اكتشف أن غربته ليست في لندن ولا في بغداد، وإنما في داخله. وهنا تكمن قوة العنوان ودلالته العميقة:

قد نغادر الوطن، لكن الوطن لا يغادرنا وقد نعود إلى الجذور، ثم نكتشف أن الجذور نفسها لم تعد تعرفنا.

ومن هذه الزاوية، أرى أن “جذور القصب” رواية تستحق مزيداً من القراءة والنقد، كما أن بنيتها وشخصياتها وأمكنتها وتحولاتها الزمنية تجعلها، في تقديري، قابلة لأن تتحول إلى عمل درامي سينمائي أو تلفزيوني غني بصرياً وإنسانياً.

 

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

خارج السرب…حنين شرتوخ شرقي.. وتجربة الومضة القصصية

خارج السرب…حنين شرتوخ شرقي.. وتجربة الومضة القصصية

تدخل القاصة الدكتورة” حنين شرتوخ شرقي” إلى فضاء الكتابة السردية من منطقة مختلفة محاولة أن…

صورة الكاتب حمدي العطار
7 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
قراءة المستقبل في رواية “أولاد الحاجة رتيبة” للروائي جواد الكاتب

قراءة المستقبل في رواية “أولاد الحاجة رتيبة” للروائي جواد الكاتب

قراءة المستقبل في رواية “أولاد الحاجة رتيبة” للروائي جواد الكاتب حين يتحول الماضي إلى مشروع…

صورة الكاتب حمدي العطار
31 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
الانفلات السردي والميتاسرد في رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار

الانفلات السردي والميتاسرد في رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار

الورقة النقدية التي قدمت في جلسة عن رواية ( رحلة الى كالكوتا) للروائي “حسن البحار”…

صورة الكاتب حمدي العطار
8 أغسطس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


رياض المولى في جذور القصب: من جذور المكان إلى غربة الإنسان

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 13 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

الورقة النقدية التي قدمت في جلسة نادي السرد الاتحاد الادباء والكتاب الخاصة لرواية ( جذور القصب) للروائي رياض المولى

“رياض المولى في جذور القصب: من جذور المكان إلى غربة الإنسان”

 

حين نقترب من رواية “جذور القصب” للروائي رياض المولى، فإن أول ما يستوقفنا هو العنوان، فالعنوان هنا ليس فقط تسمية للعمل، وإنما عتبة دلالية تقودنا إلى واحدة من أهم ثيماته: الجذور، والانتماء، والبحث عن الوطن، ثم اكتشاف أن الإنسان قد يحمل غربته معه حتى وهو واقف فوق أرضه. كلمة “جذور” تحيل مباشرة إلى التاريخ والأصل والامتداد، بينما “القصب” يحيل إلى المكان العراقي وبالأخص إلى الأهوار بما تمثله من ذاكرة وهوية وبيئة. والقصب لا يعيش بعيداً عن الماء والطين كما أن الإنسان العراقي في الرواية لا يستطيع أن يفصل نفسه بسهولة عن المكان الذي تشكلت فيه ذاكرته الأولى. وقد يستدعي العنوان من حيث الإيحاء رواية “ساق البامبو “للروائي الكويتي سعود السنعوسي؛ فالبامبو نبات قادر على النمو في بيئات مختلفة، بينما القصب في رواية رياض المولى يبدو أكثر التصاقاً بمكانه وجذوره. ومن هنا تصبح المقارنة مجرد تناص عابر، لأن الروايتين تنشغلان كل بطريقتها بسؤال الهوية والانتماء. ومنذ الصفحات الأولى نجد أنفسنا أمام رواية تتحرك بين أمكنة وأزمنة متعددة: الأهوار، وقلعة صالح، والعمارة، والبصرة، وبغداد، وزاخو، ثم لندن. كما تتحرك بين عام 1929 وما بعد عام 2003، لتقدم لنا حكاية أسرة عراقية تمتد عبر أجيال، وتكشف من خلالها تحولات المجتمع العراقي ومآلات الإنسان الذي تتقاذفه الظروف السياسية والاجتماعية والتاريخية. ولعل أجمل ما في الرواية أن رياض المولى لا يقدم التاريخ بوصفه مادة مدرسية، وإنما يحاول أن يجعله خلفية لحياة أشخاص عاديين، أشخاص يعيشون الفقر والحب والخوف والهجرة والعمل والزواج والخسارة ويجدون أنفسهم من دون أن يختاروا ذلك داخل تاريخ أكبر منهم. ويبدأ الروائي من لندن عام 2003 في لحظة سقوط نظام صدام حسين، ليعيدنا بعد ذلك إلى الماضي. وهذا الاستهلال يمنح الرواية منذ البداية حركة بين الحاضر والماضي وبين المكان البعيد والمكان الأصلي وبين من اختار الغربة ومن يحلم بالعودة.

-فرهود… الجذر الأول

في الجيل الأول ينجح رياض المولى في بناء شخصية فرهود بوصفها شخصية محورية تحمل الكثير من دلالات الرواية. فرهود ليس بطلاً أسطورياً بالمعنى التقليدي، وإنما إنسان دفعه الفقر وضيق الرزق إلى مغادرة بيئته الأولى.

يقول الروائي:

“لم يفد فرهود إلى القرية بطراً، بل دفعه إليها سوء حاله وضيق مصادر رزقه وشحتها”.

وهذه العبارة تلخص جانباً مهماً من عالم الرواية، فالرحيل ليس دائماً اختياراً وإنما قد يكون نتيجة مباشرة للفقر والحرمان. ومن هنا يبدأ فرهود رحلته من الأهوار إلى قلعة صالح، ثم البصرة، ثم بغداد، في رحلة يمكن قراءتها باعتبارها رحلة البحث عن حياة أفضل، لكنها في الوقت نفسه رحلة ابتعاد تدريجي عن الجذور. ويقدم المولى الأمكنة بعين السارد الذي يعرف تفاصيلها ولذلك نشعر بنكهة الأهوار وبعبق البصرة ومينائها وخاناتها وبصورة بغداد التي تبدو في مخيلة فرهود مدينة مختلفة تماماً عن عالم الطين والماء والشجر الذي عرفه.

-الخاص يطغى على العام

من أبرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الرواية أن الخاص فيها يطغى على العام.

فالروائي يلامس أحداثاً تاريخية وسياسية مهمة لكنه لا يمنحها المساحة نفسها التي يمنحها لعالم الشخصيات. نحن أمام قرن تقريباً من التاريخ العراقي ومع ذلك تمر بعض المفاصل الكبرى بسرعة بينما تتوقف الرواية طويلاً أمام تفاصيل الحياة اليومية للعائلة.

وقد اختار رياض المولى -في تقديري- أن يكون روائياً أكثر من كونه مؤرخاً وهذه نقطة من حقه الفني، فالروائي ليس مطالباً بأن يسجل التاريخ كله. لكن حين تختار الرواية أن تمتد زمنياً عبر أجيال وتربط مصائر شخصياتها بمراحل تاريخية متعاقبة، فإن القارئ يصبح أكثر حساسية تجاه حضور التاريخ وغيابه. فالرواية تتوقف عند موت الملك فيصل، والفرهود عام 1941، وثورة 1958 وتوزيع الأراضي، لكنها لا تستثمر بالقدر نفسه أحداثاً سياسية واجتماعية كبرى كان يمكن أن تؤثر في تكوين الشخصيات ومصائرها. وكان من الممكن مثلاً أن يتحول الفقر والحرمان عند أحد أبناء فرهود إلى وعي طبقي أو انتماء سياسي خصوصاً أن الرواية تقدم لنا أبناءً من طبقات فقيرة يعملون في مهن شاقة. ولو حدث ذلك لربما أصبح التاريخ السياسي أكثر اندماجاً في النسيج العائلي للرواية بدلاً من أن يبقى في بعض المواضع مجرد خلفية زمنية. وهنا لا أطالب الرواية بأن تتحول إلى كتاب تاريخ، وإنما أتساءل: ماذا كان يمكن أن يضيف حضور التاريخ السياسي إلى تطور الشخصيات نفسها؟

-البناء الفني وانتقال الأمكنة

يعتمد المولى على الانتقال بين الأمكنة والأزمنة بوصفه وسيلة لتحريك السرد. من الأهوار إلى البصرة، ومن البصرة إلى بغداد، ومن بغداد إلى زاخو، ثم لندن. وهذه الانتقالات تمنح الرواية اتساعاً جغرافياً واضحاً لكنها في بعض المواضع كانت تحتاج إلى استثمار فني أعمق، لأن المكان في رواية تمتد جذورها إلى الأهوار ليس مجرد خلفية للأحداث، وإنما يمكن أن يكون شخصية موازية. ومع ذلك فإن قوة الرواية تظهر في التفاصيل الصغيرة التي يستخدمها الكاتب لتعميق الشخصيات. فهو لا يحتاج دائماً إلى حدث كبير كي يجعل الشخصية حاضرة، أحياناً يكفي أن يصف طريقة عيشها أو عملها أو خوفها أو علاقتها بالآخرين.

-البصرة وبغداد… مدينتان في ذاكرة الرواية

في البصرة يركز الروائي على الميناء والخانات وعلى اللقاء بين فرهود والتاجر اليهودي “بتو”، الذي يوفر له فرصة العمل والسكن. وهنا تبرز صورة مهمة من صور المجتمع العراقي المتعدد حيث تتجاور الشخصيات المسلمة واليهودية والمسيحية وتتقاطع مصالحها وعلاقاتها اليومية. أما بغداد فتظهر في مخيلة فرهود بوصفها مدينة الحلم مدينة الجسور والمركبات والمراقد والبنايات، المدينة التي تختلف جذرياً عن بيئة الطين والماء التي جاء منها. وهذا الانتقال من الأهوار إلى بغداد ليس انتقالاً جغرافياً فقط وإنما هو انتقال من عالم اجتماعي إلى عالم آخر، ومن بيئة مغلقة إلى فضاء أكثر اتساعاً وتعقيداً.

-أحمد… حين يتحول الجذر إلى سؤال

إذا كان فرهود يمثل الجذر الأول فإن أحمد يمثل الجيل الذي يبدأ في مساءلة هذا الجذر. وهنا تتغير تقنية السرد ويصبح أحمد أكثر حضوراً ووعياً بذاته ويبدأ في نقد أبيه وجده، وفي إعادة النظر في الأساطير التي صنعتها الأسرة حول فرهود.

يقول أحمد:

“ولا أجد فيها ذلك الثائر الأسطوري ـ فرهود ـ بل مجرد كهل يدخن ويشرب الشاي بكثرة ويتسامر مع أصدقائه الكهول”.

وهذه الجملة مهمة جداً، لأنها تكشف المسافة بين ذاكرة العائلة وحقيقة الشخصية.

فكل جيل يعيد صناعة الجيل السابق وفق حاجته النفسية، وقد يكون الجد في ذاكرة الأحفاد بطلاً أسطورياً بينما تكشف الحياة اليومية أنه كان إنساناً عادياً عاش البؤس والخوف والضعف مثل الآخرين. ومن هنا يبدأ أحمد رحلة مختلفة رحلة التمرد والبحث عن الذات ومحاولة التخلص من خوف الفقر والخضوع.

-الغربة داخل الإنسان

أعتقد أن هذه هي الثيمة الأهم في الرواية. فالرواية لا تتحدث عن الغربة باعتبارها مجرد مغادرة العراق والعيش في لندن وإنما تقدم الغربة بوصفها حالة داخلية. أحمد يعود إلى العراق لكنه لا يجد نفسه فيه. ويغادر العراق لكنه لا يستطيع أن يقطع جذوره تماماً.

وفي لحظة حاسمة يقول لزوجته هيام:

“الجذور تأبى أن تنقطع فهي مغروسة في العمق مثل جذور القصب في أرض الأجداد”.

هذه الجملة تكاد تكون المفتاح الحقيقي للعنوان. لكن المفارقة أن الرواية تنتهي بانقلاب دلالة الجذور، فبعد العودة إلى العراق والمشاركة في عالم المعارضة السياسية، وبعد اكتشافه أن الواقع الجديد لا يمنحه ما كان يبحث عنه يعود أحمد إلى لندن، ويقول:

“غربتي التي بداخلي كانت أقوى وأعنف من كل الجذور التي ممكن أن تربطني بأرض الآباء والأجداد”.

وهنا نصل إلى المفارقة الجميلة في الرواية:

الإنسان قد يحمل جذوره معه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يعيش بينها.

وقد تكون هذه الغربة الداخلية أقسى من غربة المكان.

-بين الدين والسياسة والجنس

في القسم المتعلق بأحمد يتحرر الروائي أكثر من تحفظه السابق ويقترب من موضوعات شائكة مثل الدين والسياسة والجنس، وهي موضوعات ترتبط أصلاً بطبيعة شخصية أحمد المتمردة. ويتعرض أحمد للاعتقال والتعذيب ثم يخرج من التجربة بشخصية مختلفة، شخصية أكثر تمرداً وفوضوية، وكأن العنف الذي تعرض له لم يؤد إلى إيمانه بالنظام أو المجتمع وإنما إلى رفض أكثر حدة لكل ما يحيط به. كما يطرح الروائي من خلال علاقات أحمد أسئلة عن التناقض بين التدين والسلوك وبين الشعارات والممارسة، وبين المحرمات التي يتفق عليها المختلفون سياسياً ودينياً.

وهنا يصبح كسر التابو جزءاً من بناء شخصية أحمد وليس مجرد إثارة سردية.

-المعارضة والعودة

في لندن يدخل أحمد إلى عالم المعارضة العراقية وهنا يعود السؤال السياسي بقوة. ويقدم الروائي صورة نقدية للمعارضة التي كانت تستعد لمرحلة ما بعد سقوط النظام، ويكشف من خلال الحوار عن منطق سياسي يقوم على المراوغة والمصلحة وتقاسم السلطة. وبذلك يصبح أحمد أمام مفارقة أخرى: الرجل الذي غادر العراق بحثاً عن مستقبل أفضل يعود مع مشروع سياسي لكنه يكتشف أن الوطن الذي تخيله ليس هو الوطن الذي وجده.

-المخطوطة… ذاكرة تتحدى النسيان

أما المخطوطة اليهودية التي تنتقل من نسيم زلخا إلى فرهود ثم إلى غازي، وصولاً إلى أحمد، فهي من أكثر عناصر الرواية إثارة للاهتمام. فهي ليست فقط شيء ثمين يمكن بيعه وإنما تحمل دلالة رمزية:إنها ذاكرة العراق التي انتقلت من جيل إلى جيل، ومن بيت إلى بيت، ومن زمن إلى آخر. وعندما يكتشف أحمد قيمتها التاريخية يصبح أمام سؤال أخلاقي: هل الأمانة تبقى أمانة إذا مات صاحبها؟ وهل يتحول التاريخ إلى ملكية خاصة؟ بيع المخطوطة بمبلغ كبير يعيدنا مرة أخرى إلى سؤال العلاقة بين الإنسان وماضيه: هل يمكن أن يتحول التاريخ إلى سلعة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبيع جزءاً من ذاكرته من أجل أن يعيش حاضره؟

-ملاحظات أخيرة

لا شك أن للروائي الحق في انتقاء الأحداث التي تخدم حبكته وشخصياته، وليس مطلوباً منه أن يسجل كل ما حدث في العراق. لكن الرواية التي تمتد من 1929 إلى ما بعد 2003، وتتناول ثلاثة أجيال، تصبح بحاجة إلى حساسية أكبر تجاه المفاصل التاريخية الكبرى. كما أن بعض الشخصيات تبدو مستسلمة لواقعها، ولا نرى لديها وعياً واضحاً بأسباب الفقر أو محاولة جدية لتغيير شروط حياتها. وربما كان من الممكن أن تمنح الرواية بعض الشخصيات وعياً طبقياً أو سياسياً أكثر وضوحاً، بما يضيف طبقة أخرى إلى الصراع الروائي. كما أن صورة غازي الشرطي، تبدو في بعض المواضع شديدة المثالية في نزاهتها وكان يمكن جعل الشخصية أكثر التباساً، لأن الشخصيات الروائية تصبح أكثر إقناعاً حين تحمل تناقضاتها لا حين تقدم بوصفها خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من أهمية الرواية، بل على العكس تؤكد أنها رواية تستحق أن نتوقف عندها ونختلف معها ونناقشها.

الخاتمة

في النهاية، أجد أن “جذور القصب” ليست رواية عن عائلة عراقية فقط، ولا عن قرن من التحولات العراقية فحسب، إنها رواية عن الإنسان الذي يبحث عن نفسه بين المكان والذاكرة والمنفى. فرهود يبحث عن حياة أفضل، وأحمد يبحث عن معنى مختلف للانتماء، وبين الاثنين تتغير الأمكنة والأنظمة والأجيال، لكن السؤال يبقى واحداً: هل تكفي الجذور لكي يشعر الإنسان بأنه ينتمي؟

ربما تقول الرواية إن الجذور تمنحنا الذاكرة، لكنها لا تمنحنا بالضرورة الطمأنينة. فالقصب متجذر في الماء والطين لكنه يتحرك مع الريح. والإنسان كذلك قد يبقى وفياً لجذوره لكنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الرحيل. ولهذا فإن أجمل مفارقة في “جذور القصب” أن الرواية تبدأ بالجذور وتنتهي بالغربة، تبدأ بوطن يسكن الذاكرة، وتنتهي بإنسان اكتشف أن غربته ليست في لندن ولا في بغداد، وإنما في داخله. وهنا تكمن قوة العنوان ودلالته العميقة:

قد نغادر الوطن، لكن الوطن لا يغادرنا وقد نعود إلى الجذور، ثم نكتشف أن الجذور نفسها لم تعد تعرفنا.

ومن هذه الزاوية، أرى أن “جذور القصب” رواية تستحق مزيداً من القراءة والنقد، كما أن بنيتها وشخصياتها وأمكنتها وتحولاتها الزمنية تجعلها، في تقديري، قابلة لأن تتحول إلى عمل درامي سينمائي أو تلفزيوني غني بصرياً وإنسانياً.