د. عبد السلام العجيلي (أرض السيّاد) قراءة تحليلیة
1918 – 2006
روائي، وطبيب، وأديب سوري، وهو من أكثر الأدباء حضوراً، وأغزرهم إنتاجاً. انخرط في السياسة، فكان نائباً عن مدينته الرقة، وصار وزيراً للخارجية، والثقافة، والإعلام في عهد الانفصال، له مؤلفات كثيرة في الشعر والقصة والأسفار والمذكرات، والمقامات والمقالات، وكان مجلياً ومتفوقاً في شتى صنوف الإبداع… من أعماله الروائية: باسمة بين الدموع، قلوب على الأسلاك، ألوان الحب الثلاثة، أزاهير تشرين المدماة، المغمورون، حب أول حب أخير، أجملهن، أرض السياد).
حظيت أعماله بالاهتمام، فنقلت إلى السينما والتلفزيون، وترجمت إلى أكثر من لغة، وصدرت عنها دراسات في مختلف المستويات، خاصة باسمة بين الدموع، قلوب على الأسلاك، أزاهير تشرين، المغمورون… اخترت دراسة روايته (أرض السياد) لما فيها من معالجة للمجتمع السوري، والمجتمع الذي ينتمي إليه خصوصاً، ولأنها تعد بين أعماله خاتمة روايات القرن العشرين.
صدرت أعماله في عدة طبعات بين دمشق وحلب وبيروت، وتعمل دار الريس على نشر أعماله الكاملة، إذ صدرت أشعاره ومقاماته بعيد وفاته… وهو من قلة من الأدباء الذين قرنوا عملهم بالفعل، فكان عضواً في جيش الإنقاذ 1948، ودفع ثمن ذلك غالياً، وقد سرد التفاصيل المؤلمة في كتابه (جيش الإنقاذ). بقي يمارس مهنة الطب مدة ستين عاماً حتى أغلقها رسمياً عام 2004 بإعلان رسمي، فلم يتخل عن مرضاه حتى لم يعد بإمكانه تقديم أشياء لهم.
(أرض السياد) رواية متميزة للعجيلي، وقد جاءت كتابتها في المراحل الأخيرة من حياته، قبل: (حب أول وحب أخير، أجملهن) وتأخذ الرواية عدة اتجاهات:
– الفساد، وانتشاره في المجتمع.
– الحب في حياة الأفراد.
– الشهوة والحرمان.
– استصلاح الأراضي في منطقة سد الفرات.
– العلاقات الاجتماعية بين الحقيقة والافتراء.
– الحياة الصوفية وأسرارها.
– حياة الغجر، والغناء، والغواية.
هذه المحاور العديدة هي من جملة اهتمامات الدكتور العجيلي منذ أن كتب (باسمة بين الدموع)، وبقي العجيلي يراقب ويكتب ويرسم ويحلل حتى آخر رواياته، وهذا ما يبرز أهمية الرسالة المجتمعية التي حملتها الرواية، خاصة لمن كان نائباً ووزيراً، وخبر دهاليز السياسة والحياة البرلمانية، وقد ساعده على أن يكون ناقداً انتماؤه الاجتماعي الذي حقق له على الدوام استقراراً مالياً، واجتماعياً جنبه الانغماس في أي جانب من جوانب الفساد التي ينتقدها…
أخذت الرواية اسمها (السياد) من السادة الأشراف، كما يشير الكاتب في البداية ص9، وهي ظاهرة منتشرة في مختلف البلدان العربية، حيث توقف الأرض والأموال لخدمة أسرة من الأشراف والتكفل بها، وسبب التسمية أن هذه الأرض تشكل المحور الذي تدور حوله الرواية:
– الاعتداء على هذه الأرض من الدولة ومؤسساتها واستملاكها.
– الاعتداء على ما تبقى من المتنفذين.
– محاولة إعادة الحقوق لأصحابها.
– الاستغناء عن خدمات من يحاول أن يعيد الحقوق.
– إظهار تحكم الفساد في مفاصل الحياة.
– يشكل اختيار (أرض السياد) دون سواها مفارقة عند العجيلي، فإذا كانوا من السادة المنسوبين، ويتم الاعتداء عليهم بهذا الشكل، فما بالنا بالعاديين من الناس؟
– يدلف العجيلي من خلال أرض السياد لتصوير العالم الصوفي لهم، وتصوير عالم الغجر المحيط بهم.
أنور مهندس زراعي دمشقي يتم فرزه إلى المنطقة الشرقية، إلى مصلحة استصلاح الأراضي هناك، لقضاء خدمة الدولة، حيث جرت العادة في سورية أن يتم فرز المهندسين لقضاء فترة إلزامية للعمل للمصلحة العامة، وأنور خاطب جارته وحبيبته سميرة التي تدرس الأدب الفرنسي، وينتظر أن تتخرج، وينجز خدمة العمل للعودة والاقتران بها. يبدأ الفصل الأول مع أنور وهو يركب سيارة البولمان المتجهة إلى حلب، ليعود بذاكرته إلى خطيبته سميرة، وفي الوقت نفسه يفتح العجيلي أولى علاقاته المستقبلية مع جاره في البولمان، الذي سيكون محركاً أساسياً في حياة أنور.
(جرها إلى المقعد بجانبه، محتضناً أصابعها الدقيقة بكفيه الاثنتين، غير حاسب حساباً لأنظار الطلاب، الذين أخذت بوابة الكلية تقذف بهم إلى ممرات الحديقة وراء سميرة وقال:
– أعرف، ولا ألومك، اجلسي إلى جانبي، عندي كلام كثير أقوله لك.
هتفت كالمزغردة: صحيح؟ أشتهي أن تقول لي مرة كلاماً كثيراً، على الدوام أحس بأني وحدي التي تتكلم بينما تظل أنت أمامي كالمشدوه، تفتح فمك ولا تنطق)().
وبهذا المشهد المستعاد الذي يستذكره أنور، وهو في الباص بعد أن استراح من المجلة، وأعطاها لجاره يظهر العجيلي سمات شخصية أنور، ومفاتيح هذه الشخصية التي ستتحكم، فيما بعد بتصرفاته في عمله، وفي الحياة العامة، فهو مستمع جيد، ومهذب، وقليل الحديث، ويعتني كثيراً بما يمكن أن يدور حوله بين الناس…
تبدأ خيوط علاقته بجاره الذي نعرف أنه دعاه لزيارته، وهو شكيب مجد الدين المحامي، لتبدأ مراسلاته مع خطيبته سميرة. هذه الرسائل التي تظهر الوضوح الذي تقوم عليه العلاقة بينهما، ومشاعر الحب والتقدير والاحترام والغيرة! فهو يصارحها بكل ما يجول في خاطره، وهي تجيبه دون تحفظ، وتنتقد تصرفاته، ثم نجده أكثر تحفظاً لا لإخفاء، بل لمراعاة شعورها وأحاسيسها.
بين الغزل الخالص قبل تصاعد الحدث، وإلى وضع مجريات العمل، والزيارات تمضي رسائلهما التي تبادلاها، فكانت الرسائل وسيلة ظهور سميرة في الرواية، وهي البعيدة عن مسرح الحدث!
وتتبع هذه الرسائل يظهر بجلاء المكاشفة والوضوح أولاً، ومن ثم إخفاء بعض التفصيلات المنغصة التي يمكن أن تؤذي شعور الآخر، لتعود المصارحة إلى أوجها في النهاية، خاصة ما يتعلق بالعمل وملابساته، والخوف من نتائج غير محمودة، فيما لو اجتمع الذئاب والمنتفعون على أنور، ولننظر في هذا التصاعد لما تشكله الرسالة من صلب العمل الروائي:
من أنور إلى سميرة: (أنت تضحكين. أسمع رنين قهقهتك البلوري، وأنا على بعد أربعمئة كيلومتر منك… الجواب سأتركه هذه المرة، وربما في المرات المقبلة… أفضل أن أعطيك إياه في ذات يوم قريب مشافهة، من فمي إلى أذنك. وربما، يا عزيزتي، من فمي إلى فمك!
لك كل أشواقي التي أراها تتأجج في صدري متوقدة ببعاد نهار واحد وليلتين اثنتين… ترى هل عندك لي مثلها؟)().
من سميرة إلى أنور: (أعرف أنك تضحك الآن. اضحك كما تشأ، وأعرف ما تردّ به عليّ. ستقول عن زوج الحاج نعمان إنك في عمر ابنتها، وعن ابنتها إنها مخطوبة… وعن ابنة الأخ إنها طفلة صغيرة. حسناً، خوفي ليس من النساء، مهما كانت أعمارهن، بل منك أنت… أنت الرجل)().
من أنور إلى سميرة: (ليطمئن بالك. أعمال الرحبة وجداول التنقلات، ومركبات النقل لا تترك لي وقتاً كي أحك رأسي)().
من أنور إلى سميرة: (نعم، كانت سهرة ممتعة، في مرات عديدة التفتّ إلى يميني، متخيلاً أنك إلى جانبي، لأرى تعابير محياك، وأنت تسمعين إلى صوت صبري أفندي، ذلك المغني الشائب، وهو يترنم بلياليه معيداً ومكرراً لها في كل مرة بنغمة تختلف عن التي قبلها، وبطبقة صوت تختلف عن التي قبلها)().
من سميرة إلى أنور: (أعجبني ما قلته لصاحبك من أنك ستأخذ إجازة مستعجلة لتطمئن على أن قلبي لم يتقلب، افعلها يا أنور، هل ضروري أن تثور غيرتك حتى تأخذ إجازة؟ على كل حال، العيد قريب، وكلنا في انتظارك في فرصة العيد… وأول المنتظرين والمنتظرات: سميرة التي تعرفها)().
من أنور إلى سميرة: (عرفت من الأستاذ صبحي أن هؤلاء الجلوس مقابلين الشيخ عبد الجبار هم المريدون. هل مرت عليك هذه الكلمة في القاموس العربي الفرنسي الذي تستخدمينه في ترجمة قصائد الرومانتيكية؟ دعيني أفسرها لك، المريد هو تلميذ الشيخ، وهو يأتمر بأمره وينفذه، ولو كان الأمر أن يلقي نفسه في النار… وإليك تفسير ضرب الشيش بعد قليل)().
من أنور إلى سميرة: (أحاديث عشاء البارحة ألقت غلالة قاتمة على تقديري للأستاذ شكيب، وغيرت من نظرتي إليه. ليس وحده التي خيمت على تقديري له تلك الغلالة. السيدة شاهناز نفسها… أحسست بأن ما أساءت به إلى صديقي المحامي بتلك الطريقة من الكلام، أساءت به إلى نفسها أيضاً. أين تلك تلك الروح النقية؟)().
من أنور إلى سميرة: (أتوقع أنك، لقراءتك هذه الكلمات، تزمين شفتيك الآن كما كنت تفعلين كلما حاولت إقناعك بصحة آرائي في محاوراتنا. أتوقع أنك تقولين: مصلحة عامة، كأن المصالح العامة يا مسكين واقفة كلها على رأسك وقوف الكرة الأرضية على رأس الثور! هذا بدلاً من أن تشكر لتلميذ والدك، الرجل النبيل الذي اسمه علي بك سعيه في نقلك إلينا في أسرع وقت)().
من شكيب مجد الدين إلى أنور: (فهمت من أخينا صبحي أن نقلك إلى منصبك الجديد الذي يحسدك عليه كثيرون لم يرق لك، والسبب تلك القضية التي أردتما بها أن تشيلا الزير من البير! لذلك، وللخلاص من همتكما العالية، ومن فضولكما الزائد، ومن جرأتكما على الذين يستطيعون الأمر والتحكم رقّوك… يجب أن تشكر ربك، وتشكر الناس الذين يحبونك فحالوا دون أن يكون الخلاص منك بغير هذه الطريقة)().
الرسائل عند العجيلي في هذه الرواية، تمثل تقنية ورابطاً للحدث، فمن خلال الرسائل تحققت أمور عدة:
– تفاعل الحدث وتصاعده، لأن كل رسالة من الرسائل قدمت حلاً أو مفتاحاً أو انتقالاً…
– ربط أنور بمحيطه الأول وبخطيبته. هذا الربط هو الذي أسهم بمحافظة أنور على مبادئه.
– إغناء الرابطة العاطفية بين أنور، وخطيبته سميرة.
– جلاء الحدث من خلال رسائل ما بعد.
– كشف بواطن الأمور التي لم تكن ممكنة في الحوار، والسرد لما تحمل من أبعاد فكرية.
ولمعرفة أهمية الرسالة في الرواية لابد من عرض الرواية:
يسافر أنور عرفان إلى المنطقة الشرقية، وتبدأ الأحداث في البولمان. زاوية تعود إلى الخلف من خلال تذكره لخطيبته سميرة، وزاوية تعود إلى المستقبل الذي يشكل فيه جاره في الكرسي حجر زاوية، وهو المحامي شكيب.
في حلب يقصد بيت الحاج نعمان صديق والده التاجر، وهناك ينفتح عالم جديد عليه، هو عالم غريب يناسب التشظي الأسري الذي يتزين بالتصرفات المظهرية.
شاهناز. دلال. خطيبها سهيل. ابنها ربيع. الحاج نعمان، وهذه الأسرة ترتبط بعلاقة عملية مع المحامي شكيب الذي التقاه في البولمان، ولا نعرف عن أسرته شيئاً، إلا من خلال الأحاديث! والتي تدين شكيب وزوجه…! مع وصول أنور إلى حلب يقوم بزيارة أسرة الحاج نعمان. الحاج مسافر، وربيع مستهتر ومسافر. يقتصر لقاؤه على الغداء مع السيدة شاهناز، فابنتها دلال أيضاً مدعوة مع صديقتها، وتظهر إشارات من السيدة شهناز توحي برغبتها في الحياة، وأنور يراها كما هي دون التفات إلى سنها، ويستغرب أن تكون هذه السيدة أماً لولدين يقاربانه سناً (تركته خارجة من باب في أقصى البهو الذي قادته إليه. لم يستطع إلا أن يلاحظ رشاقة خطوها على الرغم من امتلاء جسمها، لم تكن السيدة شاهناز بدينة، ولكن عيني أنور اللتين توقفتا قبل قليل على القد المشيق، والطويل لفتاة الدار لم يمكنهما إلا أن تتبينا ما عليه جسد الأم من ملاءة، ومع ذلك فإن النظر إلى الأم وابنتها لا يجد هذا الفارق كبيراً)().
علاقة أنور بهذه الأسرة تأخذ محوراً مهماً، ورغم أن القارئ قد يتهيأ له أن علاقة ما ستربط بين دلال وأنور، إلا أن الروائي قدم مسوّغات لا تغش القارئ بنوايا ما لدى السيدة شاهناز، ورسائل أنور تكشف هذه النوايا سرداً أو تحليلاً، أو من خلال ردود سميرة التي تعرف الغيرة وطباع المرأة.
وفي سهرة أقامتها أسرة الحاج نعمان في حلب القديمة تبدأ الإشارات، وتصبح أكثر وضوحاً:
(عاد إليها، وعندما صار قربها، ولعلها هي في تطلعها لم تلحظ عودته، تناهت إلى سمعه كلمتها تلك، سمعها تقول بصوت خفيض، ولكنه واضح، كأنها تحدث نفسها، وفي شبه تحسّر:
– حرام… حرام أن يعيش الإنسان ولا يحب!
وخفضت رأسها فرأته، علت شفتيها ابتسامة خفيفة لرؤيته لم تلبث أن تحوّلت ضحكة قصيرة، ثم أسرعت بخطاها لاحقة بالجماعة دون أن تنطق بكلمة)().
يمهد الروائي لما سيكون فيما بعد، وربما يصور حالة الحرمان العاطفي والعطش الجنسي عند السيدة شاهناز بسبب ابتعاد زوجها، وسفره الدائم الذي يجعل اللقاءات قليلة، خاصة في وسط مترف مرفه… ويظهر ذلك واضحاً في لقاء أنور مع الحاج نعمان عند عودته، فظهرت السيدة شاهناز كما لم تكن، وسمع شكوى الابتعاد بحجة العمل:
(حين تطلع إليها تعلق نظره بزيّ ملابسها هذه العشية. ما كانت ترتدي واحداً من فساتينها الزاهية الألوان. الواسعة فتحة الصدر. والتي تنحسر أكمامها عن زنديها العبلين ببياضهما المورد. كان ثوبها في هذه الأمسية طويلاً وضافياً… حتى شعرها الكستنائي السبط الكثيف، أمسى الآن ملفوفاً بعصابة بيضاء مطرزة الحواشي استدارت حول رأسها)().
ويقول نعمان لأنور:
(شاكر بك محظوظ في أنه يجد وقتاً للراحة والتذكر. أما عمك فإن الراحة بعيدة عنه، ولذلك فإنه لا يجد وقتاً للتذكر… فتحت لامرأة عمك الباب عليّ معزوفتها في دعوتها لي إلى أن ألزم الراحة، لا راحة لمؤمن يا أم ربيع)().
السيدة شاهناز إذاً بعودة نعمان تعود إلى حياتها العادية، والاحتشام الزائد، وفي هذا إيحاء ما يقدمه العجيلي للدلالة على ما تعانيه، وفي الحديث عن الراحة يكتشف القارئ مدى جسامة ابتعاد الحاج نعمان إلى درجة شعرت فيها امرأته بافتقاده، وهو في الحديث يبدو مصمماً على متابعة حياته… وفي ثرثرة العشاء يكشف الجانب الآخر من الحياة، حيث تظهر الاتهامات للحاج نعمان بأنه متزوج من سكرتيرته في تلك البلاد البعيدة، وربما يكون له زوج في كل بلد، ويظهر أن مصدر الشائعات هو المحامي شكيب، الذي كان يتولى أعمال الحاج نعمان، ولا يزال وكيلاً لابنه ربيع.
يكتشف أنور الكثير من خصوصيات شكيب، والحاج نعمان من خلال الحديث، ويبدو أنه صار محط اهتمام السيدة شاهناز، وتريد أن تعيش معه الحب الذي تفتقده، فقصدت دعوته، ولا أحد في البيت، فاعتذرت له لأن الخادمة ذهبت قبل المغيب:
(انحنت وهي تضع له الفنجان على الطاولة الصغيرة الواطئة أمامه فزلت نظرته إلى تقويرة فستانها الواسعة وما كشفته من صدرها العريض الناصع بياض البشرة، لم يتعمد تلك النظرة، ومع ذلك خجل من نفسه، وقام من جلسته ليتناول فنجان قهوته واقفاً، استقامت هي كذلك من انحناءتها، ووقفت قبالته تتناول من فنجانها رشفة وراء رشفة. كانت في وقفتها جدّ قريبة منه، فلفته منها موجة عطر أحس به حلواً، وجارحاً في آن واحد، كاد لسانه يسبق بالإعراب لها عن طيب هذا العطر، ولكنه تماسك)().
ثم تضعه السيدة شاهناز في جو رومنتيكي على الشرفة، ومن ثم في زيارة جديدة إلى حلب القديمة يتطور الأمر عند السيدة شاهناز، وما كانت تتحدث به عن العشق والغرام بدأت تطبيقه:
(ووقفت هي حتى حاذاها هو عن يسارها، فمدت ذراعها من وراء رقبته وأراحت كفها على منكبه الأيسر مطوقة بذلك كتفيه)().
(لم يدر أنور، في غمرة أحاسيسه المتضاربة بما هو فيه، هل هو الذي وقف عن المسير أم إن رفيقته هي التي أوقفته في الظل المعتم… لم يفلح في محاولة ابتعاده، أو أنه لم يبذل في المحاولة من الجهد ما يجعله يفلح في الابتعاد…
أنور… أنور… حبيبي!
وأطبقت شفتيها بقوة وإصرار، لا على وجنته وسط خده، بل على شفتيه…
أمسك بمعصميها بقوة، فأبعدها عنه، وتراجع هو بجسمه خطوتين إلى الوراء…
– تأخرنا. ماذا سيقولان عنا..) ().
هذا المحور أو الخط الأهم في رحلة أنور إلى حلب، وعلاقته بأسرة الحاج نعمان، ولكنه استطاع أن يتحرر مقاوماً رغبته بها…
أما المحوران الآخران في الرواية، وهما بيئيان خاصان بالمنطقة التي تدور فيها أحداث الرواية، فيشكلان العمود الفقري في كشف خفايا المجتمع وخصوصياته وهما:
– سهرات الغجر.
– جلسات التصوف عند السياد.
تحدث عدد من الروائيين السوريين عن مجتمع الغجر (النّور) وخصوصية سهرات الغجر التي تقدم المتعة، والسهر لأبناء المدن المجاورة لهم، والعجيلي تناول هذا المجتمع في أكثر من عمل، وفي (أرض السياد) يفصّل في خصوصية غناء الغجر:
(وما لبثت واحدة من الفتيات الثلاث أن استدارت في مجلسها معطية ظهرها إلى النار الموقدة، فاستقبلت الربابة وصاحبها بوجهها، وانطلقت تغني بصوت ملائم وأنغام الربابة الحادة. صوت حاد، ولكن ليس في حدته ما يجرح. لم يستطع أنور تفهم الكلام الذي كانت تنطق به الحجية، تلك الفتاة المغنية، إلا أنه أحسّ بأن انسجاماً، أو تكاملاً، كان يؤلف بين ذلك الكلام وبين نغمات الربابة، فيكون من هذا وذاك غناء لا يخلو من جمال وتطريب)().
وفي تشريحه لمجتمع الغجر يصور العجيلي عازف الربابة، ويستخدم مصطلحات (الحجية، النّور، الغجر، النقوط) ويصور الجمهور الذي يأتي لحضور مثل هذه الحفلات، ليكشف عدم الاحتشام الذي يسيطر على الحضور بغض النظر عن القيمة الاعتبارية لهذا الشخص أو ذاك. أما عندما يتناول سهرات الصوفية (الدراويش) فإنه يأتي على ذكر قضايا نسمع بها، ولم نرها ولم ندركها، ونحن بين مصدق ومكذب، ومنها (ضرب الشيش) وهو أن يدخل أحدهم في جسده قضيباً معدنياً من دون إحساس بالألم بسبب ما يعيشه من حالة صوفية موصولة بعالم آخر، وها هو يتحدث إلى سميرة:
(عدت بنظري إلى السيد عبد الجبار، فرأيته يتناول من بين حزمة الأسلحة شيئاً آخر، قضيباً معدنياً طويلاً، ويهزه ثم يحاول ثنيه بين كفيه فلا ينثني، تقدم والقضيب بيده نحو الموقد الذي كان الجمر فيه مضطرماً، واللهب يتصاعد ملتوياً، فينير بضوئه وجوه الحاضرين… ثم وجه القضيب بصورة أفقية إلى خاصرته اليمنى، تحت أضلاعه وفوق وركه، وغرسه في تلك الخاصرة، غرسه بضربة قوية، وأخذ بعد ذلك يدفعه بهدوء، وهو مغمض العينين… شيئاً وشيئاً كان الشيش، وقد قدَّرت ثخنه بثخن الإبهام أو هو أثخن، كان يندفع في جوف الرجل إلى أن برز رأسه المدبب من جلد الخاصرة اليسرى. ومع ذلك لم تكف اليد اليمنى للسيد من دفعه… شيء لا يصدق يا سميرة، ولكنني رأيته بعيني. لم يغير السيد عبد الجبار من وقفته أمامنا، ولا فتح عينيه المغمضتين… ألم تكن أمامه معدة وأمعاء، وكبد وطحال؟! ألم يكن في هذا الجسد أعصاب تتألم وأوردة وشرايين تتقطع فتنزف دماً وتميت؟!)().
بيئة الرواية:
كان مسرح الرواية غنياً للغاية في الانتقال بين العام والخاص، بين حياة أنور العادية وعلاقاته مع المحيطين به، والحياة الاجتماعية التي قرر أن يعيش فيها أو فرض عليه أن يحيا بها…
كما تناول العجيلي مجموعة من القضايا:
1- استملاك أراضي الناس من أجل مشروعات، وتقديم أقل الأسعار فيها.
2- وجود المتنفذين الذين يشترون بالرخيص، ثم يبيعون بأسعار عالية.
3- وجود شبكة الفساد المرتبطة بين المتنفذين والأغنياء، بين العاصمة المركز والمحل البعيد، لإزاحة كل من يحاول أن يقف ضد مصالح الفاسدين.
وتنتهي الرواية مفتوحة بعودة أنور منقولاً إلى دمشق، وبمراسلات تحاول أن تنقل إليه ما حدث بعد نقله، أو سفره.
(أرض السياد) رواية أرض وبيئة بامتياز، قدم من خلالها الدكتور العجيلي خلاصة خبرته وتجاربه ورؤيته، وهو الكاتب والسياسي والبرلماني، ومجرد إجراء نوع من التقاطع بين حياة العجيلي وأدبه، يظهر التماس المباشر الذي نهل منه العجيلي موضوعاته وأدبه، ولم يخرج عن إطار خدمة مجتمعه.
الغاية والرسالة في الرواية: أظهر العجيلي صورة للبيئة بمختلف مستوياتها، وصوّر عمق الفساد وقدرته على الفعل، وتجاوز كل الحواجز التي تحاول الحد من الفساد، والفساد هنا لا يقتصر على المستويات المالية، بل ينتقل إلى كل مناحي الحياة، فالعلاقات الإنسانية وصلت الحدّ الأعلى من الفساد، والإنسان نفسه هو الذي أسهم في إنعاش هذا الفساد وتعزيزه، فنحن أمام شخصيات لم تعد تتحرك إلا من خلال الفساد.
شاهر خضرة
سعاد المرنيصي
التعليقات