رمل حافي

صورة الكاتب
بقلم: حسین بن قرین درمشاکي
التاريخ: 20 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 1746
رمل حافي

قصة قصيرة / رمل حافي

الإهداء: إلى الذين عادوا حفاةً… ثم عبروا.

الثانية إلا دقيقة.
في الحصن الشرقي، رفع النقيب نظارته إلى جبهته ومسح عينيه. على المكتب رسالة من ابنته لم يُكمل قراءتها، وفي المذياع صوتٌ واثق يقول إنهم جرادٌ يحاول تسلّق جدارٍ من حديد.
ضحك الرقيب. نظر النقيب إلى القناة ولم يعجبه سكونها. الماء لا يهدأ هكذا إلا إذا اتفق مع أحد. دسّ الرسالة في جيبه، ونسي النظارة فوق جبهته.
على الضفة الغربية، لم يسمع عرفة إلا أنفاس تسعة رجال في قاربٍ مطاطي وتكّة ساعته؛ ساعة بحزامٍ جلدي متشقق اشترتها أمه بآخر سوارٍ في معصمها يوم نجح في الإعدادية. شدّت الحزام على يده وقالت: «الوقت أمانة يا ولدي، لا تضيّعه في الانتظار».
وهو ينتظر منذ ست سنوات.
قبل العبور بساعة، جاء الأمر بالإفطار. ابتلع تمرته وشربة ماء ولم يشعر بطعم. أما الفتى النحيل إلى جواره، سعد، فأطبق كفه على تمرته ولم يأكلها، وشفتاه تتمتمان بالفاتحة على إيقاع الثواني.
شدّ عرفة رباط حذائه للمرة الثالثة. لم يكن يخشى أن ينحلّ، بل كان يتذكر قدميه في يونيو الأسود حين عاد من سيناء حافياً لأن الرمل ابتلع حذاءه، وأمه على العتبة تغسلهما بالماء والملح ولا تقول شيئاً.
أربعون ثانية.
أمسك سعد معصمه فوق الساعة تماماً: يا عم عرفة، أنا لم أصلِّ الظهر.
لم يضحك عرفة. وضع كفّه الغليظة فوق كفّ الفتى: سنصلّيها هناك.
عشر ثوانٍ.
الثانية.
انشقّ الهواء دفعةً واحدة. مرّت الطائرات فوق الرؤوس تمزّق السماء، وانطلقت القوارب. ولأول مرة منذ ست سنوات لم يسمع عرفة تكّة ساعته.
دوّى أول انفجارٍ إلى جوار القارب فتجمّد سعد. سقط المجداف من يده، وانكمشت أصابعه على صدره، وأخذ القارب يدور في مكانه.
القارب الذي بجوارهم لم يلتفت، والذي بعده لم يلتفت.
التفت عرفة؛ وجهٌ صغير شاحب وعينان لا تقولان شيئاً.
انتزع المجداف من الماء ووضعه في كفّي الفتى، وأطبق عليهما بكفّيه: اقرأ يا سعد!
ارتجف الصوت: “الحمد لله رب العالمين”، وغرسا المجدافين. “الرحمن الرحيم”، ضربة. “مالك يوم الدين”، ضربة. تحرك القارب.
على الشاطئ، كان الساتر جبلاً من رملٍ صبّوه فوق الرمل، وفوقه تتقيأ الرشاشات. ألقوا الحبال وتعلّقوا. يغرز عرفة مقدّم حذائه في الرمل الرخو فيتهاوى تحته، فيغرز من جديد كأنه يفاوضه على كل شبر. يمسك الحبل فتتشقق كفّاه. يسقط رجلٌ إلى جواره فلا يلتفت أحد. يقوم رجلٌ آخر ويصعد.
و”إياك نعبد وإياك نستعين” تصعد معهما خطوةً خطوة من فمٍ لا يكفّ عن الارتجاف.
انزلقت قدم عرفة فتشبّث بحافة حفرة. وهناك بين الحجارة نظارة مكسورة وورقة بخطّ طفلة سقطت عليها عيناه عند سطرٍ واحد: «بابا، خبّأتُ لك نصف الحلوى». وضع حجراً فوق الورقة حتى لا تأخذها الريح وتسلّق.
عند آخر الحبل، بلغ سعد “ولا الضالين”، فصعد عرفة وقال من القمة: آمين.
فتح الفتى قبضته التي لم تنفتح طوال الطريق: التمرة سليمة مبلولة بالعرق، وعليها بصمات أصابعه الخمس.
في منخفضٍ دافئ خلف الساتر، جلس عرفة وأسند ظهره إلى الرمل. نظر إلى معصمه فإذا الساعة واقفة عند الثانية والنصف وزجاجها متشقق. لم يضبطها.
خلع حذاءه. غرس قدميه العاريتين في رمل سيناء. التفت إلى الساتر الذي يحجب القناة وراءه، ثم ضرب كفّيه على الرمل ومسح وجهه ويديه، وأشار لسعد أن يفعل.
تقدّم سعد ووقف عرفة خلفه. رفع الفتى يديه وقال: الله أكبر. ولأول مرة منذ العبور لم يرتجف الصوت.
وحين سلّما، كان ظلّ الساتر قد طال حتى بلغ قدميهما والضوء قد مال، ولم يعرف أيٌّ منهما كم مرّ من الوقت.
شقّ عرفة التمرة وناول الفتى نصفها.

عن الکاتب / الکاتبة

حسین بن قرین درمشاکي
حسین بن قرین درمشاکي
كاتب و قاص/لیبیا

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


رمل حافي

بقلم: حسین بن قرین درمشاکي | التاريخ: 20 أكتوبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

قصة قصيرة / رمل حافي

الإهداء: إلى الذين عادوا حفاةً… ثم عبروا.

الثانية إلا دقيقة.
في الحصن الشرقي، رفع النقيب نظارته إلى جبهته ومسح عينيه. على المكتب رسالة من ابنته لم يُكمل قراءتها، وفي المذياع صوتٌ واثق يقول إنهم جرادٌ يحاول تسلّق جدارٍ من حديد.
ضحك الرقيب. نظر النقيب إلى القناة ولم يعجبه سكونها. الماء لا يهدأ هكذا إلا إذا اتفق مع أحد. دسّ الرسالة في جيبه، ونسي النظارة فوق جبهته.
على الضفة الغربية، لم يسمع عرفة إلا أنفاس تسعة رجال في قاربٍ مطاطي وتكّة ساعته؛ ساعة بحزامٍ جلدي متشقق اشترتها أمه بآخر سوارٍ في معصمها يوم نجح في الإعدادية. شدّت الحزام على يده وقالت: «الوقت أمانة يا ولدي، لا تضيّعه في الانتظار».
وهو ينتظر منذ ست سنوات.
قبل العبور بساعة، جاء الأمر بالإفطار. ابتلع تمرته وشربة ماء ولم يشعر بطعم. أما الفتى النحيل إلى جواره، سعد، فأطبق كفه على تمرته ولم يأكلها، وشفتاه تتمتمان بالفاتحة على إيقاع الثواني.
شدّ عرفة رباط حذائه للمرة الثالثة. لم يكن يخشى أن ينحلّ، بل كان يتذكر قدميه في يونيو الأسود حين عاد من سيناء حافياً لأن الرمل ابتلع حذاءه، وأمه على العتبة تغسلهما بالماء والملح ولا تقول شيئاً.
أربعون ثانية.
أمسك سعد معصمه فوق الساعة تماماً: يا عم عرفة، أنا لم أصلِّ الظهر.
لم يضحك عرفة. وضع كفّه الغليظة فوق كفّ الفتى: سنصلّيها هناك.
عشر ثوانٍ.
الثانية.
انشقّ الهواء دفعةً واحدة. مرّت الطائرات فوق الرؤوس تمزّق السماء، وانطلقت القوارب. ولأول مرة منذ ست سنوات لم يسمع عرفة تكّة ساعته.
دوّى أول انفجارٍ إلى جوار القارب فتجمّد سعد. سقط المجداف من يده، وانكمشت أصابعه على صدره، وأخذ القارب يدور في مكانه.
القارب الذي بجوارهم لم يلتفت، والذي بعده لم يلتفت.
التفت عرفة؛ وجهٌ صغير شاحب وعينان لا تقولان شيئاً.
انتزع المجداف من الماء ووضعه في كفّي الفتى، وأطبق عليهما بكفّيه: اقرأ يا سعد!
ارتجف الصوت: “الحمد لله رب العالمين”، وغرسا المجدافين. “الرحمن الرحيم”، ضربة. “مالك يوم الدين”، ضربة. تحرك القارب.
على الشاطئ، كان الساتر جبلاً من رملٍ صبّوه فوق الرمل، وفوقه تتقيأ الرشاشات. ألقوا الحبال وتعلّقوا. يغرز عرفة مقدّم حذائه في الرمل الرخو فيتهاوى تحته، فيغرز من جديد كأنه يفاوضه على كل شبر. يمسك الحبل فتتشقق كفّاه. يسقط رجلٌ إلى جواره فلا يلتفت أحد. يقوم رجلٌ آخر ويصعد.
و”إياك نعبد وإياك نستعين” تصعد معهما خطوةً خطوة من فمٍ لا يكفّ عن الارتجاف.
انزلقت قدم عرفة فتشبّث بحافة حفرة. وهناك بين الحجارة نظارة مكسورة وورقة بخطّ طفلة سقطت عليها عيناه عند سطرٍ واحد: «بابا، خبّأتُ لك نصف الحلوى». وضع حجراً فوق الورقة حتى لا تأخذها الريح وتسلّق.
عند آخر الحبل، بلغ سعد “ولا الضالين”، فصعد عرفة وقال من القمة: آمين.
فتح الفتى قبضته التي لم تنفتح طوال الطريق: التمرة سليمة مبلولة بالعرق، وعليها بصمات أصابعه الخمس.
في منخفضٍ دافئ خلف الساتر، جلس عرفة وأسند ظهره إلى الرمل. نظر إلى معصمه فإذا الساعة واقفة عند الثانية والنصف وزجاجها متشقق. لم يضبطها.
خلع حذاءه. غرس قدميه العاريتين في رمل سيناء. التفت إلى الساتر الذي يحجب القناة وراءه، ثم ضرب كفّيه على الرمل ومسح وجهه ويديه، وأشار لسعد أن يفعل.
تقدّم سعد ووقف عرفة خلفه. رفع الفتى يديه وقال: الله أكبر. ولأول مرة منذ العبور لم يرتجف الصوت.
وحين سلّما، كان ظلّ الساتر قد طال حتى بلغ قدميهما والضوء قد مال، ولم يعرف أيٌّ منهما كم مرّ من الوقت.
شقّ عرفة التمرة وناول الفتى نصفها.