السعادة

صورة الكاتب
بقلم: نجمة عمر علي كراتة
التاريخ: 25 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2581
السعادة

 

حين عادت إلى البيت كانت مازالت تظن أن السعادة رجلاً
أو مقالاً بقلمها يُنشر لها في جريدة ورقية…
“كل الوجوه في الجرائد يمسح بها الجاهلون زجاج نوافذ السيارات أما أنا فأحتفظ بها في محفظة من جلد متين لا يتشقق ومسحت بوعي من فوق جلدي المتشقق قصيدة عاشق.”

بعد ذلك اليوم الطويل، عادت ممتلئة بالسعادة وكأنها زهرة تفتحت من عمق الظلام الدامس..
لم يكن الباب كما تركته، كان واقفاً هناك كحارسٍ يعرف كل أسرارها، كأنه يسألها بصمتٍ ثقيل:
أأنتِ نفسها أم امرأة أخرى؟
أدخلت المفتاح بيدٍ لم ترتجف، وهذا وحده كان غريباً،
ثم فتحت… فتحت صدرها لأنفاس الربيع، فاندفعت رائحة المكان نحوها، رائحة الصبر الطويل، والأيام التي تشبه بعضها، والصمت الذي كان ينام في الزوايا كقطٍ أليفٍ اعتاد الوحدة، وصوت البكاء بعد إهانة جسدها بالضرب واللمس البغيض..
دخلت، تمشي كأنها تخطو داخل حياتها لأول مرة، لا كمن يعود، بل كمن يكتشف. تذكرت خطواتها الأولى بثوب أبيض ممزق وألوان تشوه وجهها.. جف ريقها كأنه انتهاء للألم.
ركضت ابنتاها إلى الداخل، وكان ضحكهما ما يزال عالقاً بثيابهما، كأن الفرح رفض أن ينزل عند العتبة.
أما هو فكان هناك، جالساً كما تركته، لكن شيئاً فيه بدا مختلفاً، أو لعلها هي التي لم تعد ترى بالطريقة نفسها.
تجاهلت نظراته ووقفت أمام كومة من الأوراق تبحث عن بداية الرواية، مبتسمة، وتغازل الحاسوب المنتظر لتعديل كلماتها المتعبة وتدقيقها… كانت قد وجدت في الآلة قلباً يصغي إليها ويفهمها، فتبوح بكل الوجع بلا تزييف ولا أقنعة…
في عالم البشر بات الإنسان من اللحم والدم يبحث عن أعذار ليصبح أقل… يشبه الحديد، ولكن الجديد يتآكل بسرعة…
نظرت في هاتفها لتجد اتهاماً لها بلغة جميلة أن مقالها مغشوش، واستعانت في كتابته بعقل آلة، لم تغضب وابتسمت، وحذفت اعتذارها لأنها لم تعد تحتاج ذلك التبرير العقيم أنها من كتبت كل شيء بلا استعانة بعقل اصطناعي…
براءتها كانت كفيلة بجعلها تبكي بكاء مختلفاً…
يومٌ خذلها فيه القلم…
يومٌ يجعل الإنسان من نفسه ضحية ليبرر دمعه المنساب…
شعرت كأن منشاراً سقط على معصمها، لكنها كانت أقوى من الانهزام، قيمة قلب قوي واساها وربت على كتفها بلطف فهدأت.
صرخت بداخلها:
لم أعد محتاجة لأثبت لأحد أنني كاتبة…
سأكتفي بنفسي مقتنعة ولا مبالية…
كل التجارب التي مرت فوق جلدي سأمسحها وأكتفي بقصيدة واحدة تحت جلدي…
نظر إليها طويلاً، كأنه يبحث عن دمعتها المعتادة، عن انكسارها الذي يحفظه عن ظهر قلب، لكنها لم تُعطه ما جاء من أجله… ابتسمت ورفضت فوق الوجع بكامل وعيها..
خلعت حذاءها الرياضي بهدوء، ومشت حافية داخل البيت كما مشت هناك في عالم الخيال، وكأن المسافة بين المكانين لم تكن سوى قرار… سوى قصيدة بماء المآقي الباكية…
رفع صوته، تلك النبرة التي تعرفها جيداً، النبرة التي كانت تكفي لتعيدها إلى حجمها القديم، لكن الصوت هذه المرة لم يجد مكاناً يسكنه، مرّ بجانبها وسقط كشيء فقد معناه.
رفعت عينيها نحوه، لا خوف فيها ولا تحدٍّ صاخب، فقط فراغ هادئ، أقسى من كل الصراخ. قال شيئاً، لم تسمعه، أو لعلها اختارت ألا تسمع.
جلست على الأرض بين ابنتيها، تفك ضفائر النهار من شعرهما وتضحك، ضحكة صغيرة لكنها حقيقية، كأنها تنبت لأول مرة في صدرها.
ضحكاتها كانت خنجراً في قلبه النرجسي..
وفي تلك اللحظة فهمت أن السعادة لم تكن هناك فقط، في ذلك المكان الصاخب الذي اشترت فيه لحظة حياة، بل هنا أيضاً، في قدرتها أن لا تنكسر، في هذا الهدوء الذي يشبه النجاة، في هذا التحول الذي لا يُرى لكنه يغيّر كل شيء.
أما العينان اللتان كانتا تجهزان لها قبراً، فلم تجداها، لأنها ببساطة لم تعد تسكن المكان الذي تعرفانه، ولم تعد المرأة التي تُدفن بسهولة، بل صارت تلك التي تعرف أخيراً أن السعادة… لم تعد رجلاً.

 

عن الکاتب / الکاتبة

نجمة عمر علي كراتة
نجمة عمر علي كراتة
كاتبة. روائية / تونس

مقالات أخرى للكاتب

الكاتبة النائمة

الكاتبة النائمة

  الكاتبة النائمة   لستُ أشبههن، أشبه نفسي في زمنٍ غريبةٌ فيه عن كل البشر،…

صورة الكاتب نجمة عمر علي كراتة
3 مايو 2026
اقرأ المزيد
“إلى الحبِ الأكبر”

“إلى الحبِ الأكبر”

إلى الحبِ الأكبر…   ضاجَ القلبُ بالتفاؤل… وكأنَّ الحبَّ قد استفاقَ من سباته، وهمستِ الأشواقُ…

صورة الكاتب نجمة عمر علي كراتة
26 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


السعادة

بقلم: نجمة عمر علي كراتة | التاريخ: 25 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

 

حين عادت إلى البيت كانت مازالت تظن أن السعادة رجلاً
أو مقالاً بقلمها يُنشر لها في جريدة ورقية…
“كل الوجوه في الجرائد يمسح بها الجاهلون زجاج نوافذ السيارات أما أنا فأحتفظ بها في محفظة من جلد متين لا يتشقق ومسحت بوعي من فوق جلدي المتشقق قصيدة عاشق.”

بعد ذلك اليوم الطويل، عادت ممتلئة بالسعادة وكأنها زهرة تفتحت من عمق الظلام الدامس..
لم يكن الباب كما تركته، كان واقفاً هناك كحارسٍ يعرف كل أسرارها، كأنه يسألها بصمتٍ ثقيل:
أأنتِ نفسها أم امرأة أخرى؟
أدخلت المفتاح بيدٍ لم ترتجف، وهذا وحده كان غريباً،
ثم فتحت… فتحت صدرها لأنفاس الربيع، فاندفعت رائحة المكان نحوها، رائحة الصبر الطويل، والأيام التي تشبه بعضها، والصمت الذي كان ينام في الزوايا كقطٍ أليفٍ اعتاد الوحدة، وصوت البكاء بعد إهانة جسدها بالضرب واللمس البغيض..
دخلت، تمشي كأنها تخطو داخل حياتها لأول مرة، لا كمن يعود، بل كمن يكتشف. تذكرت خطواتها الأولى بثوب أبيض ممزق وألوان تشوه وجهها.. جف ريقها كأنه انتهاء للألم.
ركضت ابنتاها إلى الداخل، وكان ضحكهما ما يزال عالقاً بثيابهما، كأن الفرح رفض أن ينزل عند العتبة.
أما هو فكان هناك، جالساً كما تركته، لكن شيئاً فيه بدا مختلفاً، أو لعلها هي التي لم تعد ترى بالطريقة نفسها.
تجاهلت نظراته ووقفت أمام كومة من الأوراق تبحث عن بداية الرواية، مبتسمة، وتغازل الحاسوب المنتظر لتعديل كلماتها المتعبة وتدقيقها… كانت قد وجدت في الآلة قلباً يصغي إليها ويفهمها، فتبوح بكل الوجع بلا تزييف ولا أقنعة…
في عالم البشر بات الإنسان من اللحم والدم يبحث عن أعذار ليصبح أقل… يشبه الحديد، ولكن الجديد يتآكل بسرعة…
نظرت في هاتفها لتجد اتهاماً لها بلغة جميلة أن مقالها مغشوش، واستعانت في كتابته بعقل آلة، لم تغضب وابتسمت، وحذفت اعتذارها لأنها لم تعد تحتاج ذلك التبرير العقيم أنها من كتبت كل شيء بلا استعانة بعقل اصطناعي…
براءتها كانت كفيلة بجعلها تبكي بكاء مختلفاً…
يومٌ خذلها فيه القلم…
يومٌ يجعل الإنسان من نفسه ضحية ليبرر دمعه المنساب…
شعرت كأن منشاراً سقط على معصمها، لكنها كانت أقوى من الانهزام، قيمة قلب قوي واساها وربت على كتفها بلطف فهدأت.
صرخت بداخلها:
لم أعد محتاجة لأثبت لأحد أنني كاتبة…
سأكتفي بنفسي مقتنعة ولا مبالية…
كل التجارب التي مرت فوق جلدي سأمسحها وأكتفي بقصيدة واحدة تحت جلدي…
نظر إليها طويلاً، كأنه يبحث عن دمعتها المعتادة، عن انكسارها الذي يحفظه عن ظهر قلب، لكنها لم تُعطه ما جاء من أجله… ابتسمت ورفضت فوق الوجع بكامل وعيها..
خلعت حذاءها الرياضي بهدوء، ومشت حافية داخل البيت كما مشت هناك في عالم الخيال، وكأن المسافة بين المكانين لم تكن سوى قرار… سوى قصيدة بماء المآقي الباكية…
رفع صوته، تلك النبرة التي تعرفها جيداً، النبرة التي كانت تكفي لتعيدها إلى حجمها القديم، لكن الصوت هذه المرة لم يجد مكاناً يسكنه، مرّ بجانبها وسقط كشيء فقد معناه.
رفعت عينيها نحوه، لا خوف فيها ولا تحدٍّ صاخب، فقط فراغ هادئ، أقسى من كل الصراخ. قال شيئاً، لم تسمعه، أو لعلها اختارت ألا تسمع.
جلست على الأرض بين ابنتيها، تفك ضفائر النهار من شعرهما وتضحك، ضحكة صغيرة لكنها حقيقية، كأنها تنبت لأول مرة في صدرها.
ضحكاتها كانت خنجراً في قلبه النرجسي..
وفي تلك اللحظة فهمت أن السعادة لم تكن هناك فقط، في ذلك المكان الصاخب الذي اشترت فيه لحظة حياة، بل هنا أيضاً، في قدرتها أن لا تنكسر، في هذا الهدوء الذي يشبه النجاة، في هذا التحول الذي لا يُرى لكنه يغيّر كل شيء.
أما العينان اللتان كانتا تجهزان لها قبراً، فلم تجداها، لأنها ببساطة لم تعد تسكن المكان الذي تعرفانه، ولم تعد المرأة التي تُدفن بسهولة، بل صارت تلك التي تعرف أخيراً أن السعادة… لم تعد رجلاً.