العمامة التي فاوضت العود

صورة الكاتب
بقلم: سحر حسب الله عبد
التاريخ: 7 نوفمبر 2026 عدد المشاهدات: 3273
العمامة التي فاوضت العود

العمامة التي فاوضت العود

لم تكن العمامة التي دخل بها الشيخ سيد النقشبندي إلى ذلك الاستوديو تعرف أنها ستخرج منه وقد تغيّرت طبيعة مهمتها ، ذهبت برفقة صاحبها إلى لقاء رتّبه الرئيس أنور السادات وعادت تحمل حكاية لم تكن في حسبانها أن رجلًا اسمه بليغ حمدي أمضى سنوات يعلّم العشاق كيف يتألمون على أنغام الموسيقى، قرر أن يرافق صوتًا اعتاد مناجاة السماء!
كانت العمامة على ما يبدو آخر من علم أن الموسيقى ستدخل المحراب فالنقشبندي لم يكن متحمسًا للفكرة ولم يرَ في صاحب “الحب كله ” و” ألف ليلة وليلة ” الشخص المناسب لمرافقة صوته في ابتهال ، أما السادات فبدا أكثر اطمئنانًا إلى هذه الزيجة الفنية من أهلها أنفسهم؛ جمع الرجلين وترك لوجدي الحكيم مهمة تقريب المسافات كأننا أمام مفاوضات سياسية لا ينقصها سوى توقيع اتفاقية تعاون بين العود والإنشاد الديني.
لم تكن المشكلة أن بليغ يريد تلحين ابتهال وإنما أن بليغ هو بليغ ذلك الذي يعرف كيف يجعل الكمان يتنهّد، والناي يتدلل، والقلب يتورط في الحب حتى أذنيه ، فكيف يُؤتمن هذا الرجل على محراب؟
وهل يستطيع من أدار موسيقى العشاق أن يقود صوتًا اعتاد الوقوف على أبواب السماء؟
تروي شهادات وجدي الحكيم أن النقشبندي استقبل الاقتراح بشيء من التردد وأنه جعل عمامته في حكاية تُروى عن اللقاء، علامة على موقفه من التجربة فإذا بقيت على رأسه ظل متحفظًا، وإذا خلعها فقد يكون في الأمر ما يستحق الإصغاء ، ثم تركه الحكيم مع بليغ وعاد بعد نحو نصف ساعة ليجد أن شيئًا ما قد تبدّل ، لم تعد العمامة تؤدي دور الحارس على حدود التجربة وصار النقشبندي أكثر انفتاحًا على ما يسمعه وكانت عبارته الشهيرة كما نقلها الحكيم: ” يا وجدي بليغ ده جن”
ولعل العبقرية في تلك الحكاية لا تكمن في أن بليغ أقنع النقشبندي فحسب وإنما في أن كليهما اضطر إلى مغادرة منطقة آمنة ، لم يذهب بليغ ليضع موسيقى على صوت ديني كما يوضع إطار على لوحة، ولم يذهب النقشبندي ليتنازل عن روحه الفنية إرضاءً لملحن مشهور، حدث شيء أكثر تعقيدًا:
التقى صوت يعرف طريقه إلى الوجدان بلحن يعرف كيف يفتح له طريقًا آخر ومن ذلك اللقاء خرج “مولاي إني ببابك” عمل لم يحتج إلى شرح الكيفية التي اجتمع بها العود والابتهال؛ فقد فعل ما هو أصعب، جعل الناس يسمعون النتيجة وينسون السؤال.
لكن الحكاية لا تنتهي عند استوديو بليغ ولا عند عمامة خاضت مغامرة لم تكن مدرجة في جدول أعمالها ، إنها تفتح بابًا أوسع على علاقة الثقافة بالتجديد وعلى ذلك الحارس المتطوع الذي يقف عند مدخل كل تجربة جديدة، حاملاً دفترًا صغيرًا يسجل فيه أسماء المسموح لهم بالابتكار، وأسماء الذين ينبغي أن يظلوا في أماكنهم إلى أجل غير مسمى.
هذا الحارس يحب الفن كثيرًا بشرط ألا يفاجئه ، يحب الشاعر الذي يكتب القصيدة بالطريقة التي اعتادها، والروائي الذي لا يغيّر ترتيب أثاث الحكاية، والموسيقي الذي يكرر النغمة التي صفّق لها الجمهور في المرة السابقة.
إنه لا يعادي الموهبة وإنما يريدها مطيعة ، يرحب بها ما دامت لا تضطره إلى مراجعة ذائقته فإذا خرج الفنان عن صورته المألوفة انتفض الحارس وسأل بقلق:
ما الذي حدث؟
أين ذهب صاحبنا الذي نعرفه؟
وكأن الفنان موظف في دائرة الإبداع و عُيّن في قسم محدد ولا يحق له الانتقال إلى قسم آخر من دون موافقة المدير العام للذائقة ، فإذا كتب الشاعر قصيدة مختلفة طُلب منه إرفاق طلب يوضح أسباب التغيير، وإذا جرّب الروائي شكلًا سرديًا جديدًا أُحيل عمله إلى لجنة تدقيق في مدى التزامه بتاريخه الشخصي ، أما الموسيقي فعليه أن يثبت أن خروجه من القالب الذي صنع شهرته لا يشكل تهديدًا للأمن العاطفي للجمهور.
والمفارقة أن بعض هؤلاء لا ينتظرون حتى يطّلعوا على التجربة كي يصدروا أحكامهم ، يكفي أن يعرفوا اسم صاحبها حتى تبدأ المحاكمة ، لديهم قدرة عجيبة على قراءة الروايات من أغلفتها ، واكتشاف عيوب القصائد من أسماء أصحابها، وتحديد قيمة الأعمال قبل أن ترى النور ، وقد يختصر أحدهم رواية من أربعمئة صفحة في جملة واحدة:
“هذا الكاتب لا يُنتظر منه شيء”
وحين تسأله عنها يجيب بثقة من قرأها حرفًا حرفًا: «ة
“لم أقرأها لكنني أعرف أسلوبه”
وهناك من يتخذ موقفًا أكثر أناقة يعلن انحيازه إلى التجريب لكنه يفضّل أن يكون التجريب مفهومًا ومقبولًا ومألوفًا، وألا يبتعد كثيرًا عن التجارب السابقة يريد من الجديد أن يأتي مرتديًا ملابس القديم وأن يغيّر ملامحه دون أن يربك أحدًا، وحين تظهر تجربة لا تشبه ما يعرفه يطالبها بشرح نفسها ثم يعتذر لها عن سوء الفهم قبل أن ينصح صاحبها بالعودة إلى الكتابة التي يفهمها الناس.
وللثقافة تجار يبيعون التجديد بالتجزئة ، يضعون الحداثة في مقدمة سيرهم الذاتية، ويستشهدون بها في الندوات، ويكثرون من استعمال مفرداتها حتى تكاد اللغة تطلب منهم استراحة لكنهم يفضلون حداثة لا تقترب من مواقعهم، ولا تزعج علاقاتهم، ولا تدعوهم إلى مراجعة أحكامهم ، يحتفون بالمختلف ما دام مختلفًا في مكان بعيد ويصفقون للمغامرة ما دامت لا تهدد المقاعد التي اعتادوا الجلوس عليها، إنهم لا يخشون التجديد ، يخشون أن يتجدد العالم من دون استشارتهم .
أما الذين لا يصفقون إلا بعد النجاح فلهم حكاية أخرى قبل أن يثبت العمل حضوره يتعاملون معه باعتباره مغامرة غير محسوبة، أو نزوة عابرة، أو خروجًا على الذوق العام لكن ما إن يلتف الجمهور حوله حتى تتبدل الذاكرة فجأة:
يكتشف الناقد أنه كان يتابعه منذ بدايته ويعلن المثقف أنه تنبأ بمستقبله ويتذكر الصديق أنه نصح صاحبه بالاستمرار، فيما يؤكد أحد الحاضرين أنه كان أول من وصفه بالتجربة الاستثنائية.
هكذا تتحول الموهبة بعد نجاحها إلى ملكية جماعية ، يتسابق الجميع إلى تبنيها وتبدأ عملية توزيع الأسبقية:
هذا يقول إنه اكتشفها، وذاك يقول إنه احتضنها، وثالث يؤكد أنه فهمها قبل أن يفهمها أصحابها ، ولا يبقى للمبدع سوى أن يشكر الحاضرين على حسن رعايتهم لفكرته، وأن يعتذر لأنه لم يخبرهم مسبقًا بأنها ستنجح حتى يتسنى لهم تأييدها في الوقت المناسب.
وقد نصل إلى زمن يحتاج فيه النص إلى توصية قبل أن يحتاج إلى قارئ ، فتُقرأ أسماء المشاركين قبل أعمالهم، وتُفحص العلاقات قبل الأساليب، ويصبح السؤال عن صاحب النص أهم من السؤال عن النص نفسه، وقد يُمنح عمل فرصة لأنه صادر عن اسم مألوف بينما يُترك عمل آخر عند الباب لأنه لم يسبق له أن دخل القاعة ، وحين ينجح الكاتب الذي لم يكن أحد يعرفه تُنسب الرؤية البعيدة إلى اللجنة مع أن الموهبة نفسها ربما قضت سنوات تبحث عمن يفتح لها الباب.
ومع ذلك لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن التجديد إلى دفاع أعمى عن كل ما يُكتب باسمه فليس كل خروج على المألوف ابتكارًا، وليس كل غموض عمقًا، وليس كل نص يرفض القواعد قد اكتشف قواعد جديدة، هناك أعمال تتخذ من الغرابة ستارًا لعجزها ومن كسر الشكل حجة على ضعف البناء، ومن إرباك القارئ دليلًا على أنها سبقت عصرها ، التجديد ليس إعفاءً من الجودة، كما أن المحافظة ليست دليلًا على الرداءة.
المسألة ليست أن نرفض القديم لمجرد أنه قديم، أو نقبل الجديد لمجرد أنه جديد؛ وإنما أن نمنح العمل فرصة عادلة ليكشف ما لديه ثم نحاكمه بمعايير الفن، لا بمزاج الحارس الواقف عند الباب.
فبليغ حمدي لم يصبح مجددًا لأنه وضع لحنًا غير مألوف، والنقشبندي لم يصبح أكثر انفتاحًا لأنه خلع عمامته ، ما حدث أن التجربة امتلكت ما يبرر وجودها وأن موهبتين التقتا عند نقطة لم تكن أي منهما لتبلغها وحدها ،لم يكن اللحن ناجحًا لأن السادات طلبه ، ولا لأن صاحبه مشهور، ولا لأن المنشد قرر خوض مغامرة ، لقد بقي لأنه وجد مكانه في وجدان الناس.
وهنا تكمن المفارقة: نحن نطالب الفنان دائمًا بأن يفاجئنا ثم نعاقبه حين يفعل ، نريده أن يبتكر لكننا نفضّل أن نعرف مسبقًا شكل ابتكاره ، نطالبه بأن يفتح نافذة جديدة ثم نسأله لماذا لم يستأذننا قبل أن يدخل الهواء وربما لهذا يظل بعض المبدعين مضطرين إلى خوض معركتين؛ واحدة مع العمل حتى يكتمل وأخرى مع الذين يعتقدون أن اكتماله لا يمنحه الحق في الوجود ما لم يوافق أذواقهم.
أما العمامة فلا نعرف إن كانت قد سامحت بليغ حمدي على ما فعله بها في ذلك اليوم أو إن كانت قد احتفظت في طياتها باعتراض صغير لم يجرؤ صاحبها على إعلانه لكن المؤكد أن “مولاي إني ببابك ” عاش أطول من كثير من الأحكام التي صدرت عليه قبل أن يولد وأن العود لم يحتج إلى عضوية في نقابة المحاريب كي يؤدي دوره.
ومنذ ذلك اللقاء صار في وسع كل تجربة جديدة أن تستشهد بحكاية العمامة لا لتطلب من أحد أن يخلعها وإنما لتذكّره بأن بعض الأفكار لا تحتاج إلى من يحرس أبوابها بل إلى من يمنحها وقتًا كافيًا كي تُسمع.
وربما لو عادت العمامة إلى الاستوديو اليوم لوجدت أمام الباب لجنة استقبال، وناقدًا يطلب الاطلاع على السيرة الذاتية للعود، ومثقفًا يعلن تأييده للتجربة بشرط ألا تتكرر، وآخر ينتظر نجاحها ليؤكد أنه كان من أوائل المؤمنين بها.
أما بليغ فسيكون قد انتهى من التلحين وغادر وسيظل العود في الداخل ينتظر أن تنتهي اللجنة من مناقشة أهليته لدخول المحراب.

عن الکاتب / الکاتبة

سحر حسب الله عبد
سحر حسب الله عبد
شاعرة/العراق

مقالات أخرى للكاتب

التجوال في روايات نجيب محفوظ

التجوال في روايات نجيب محفوظ

يقال إن الله حين أراد أن يخلق مصر منحها النيل لتسقي منه شجيرات الفول والكافور…

صورة الكاتب سحر حسب الله عبد
25 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد
صَهْوَةُ العِشْقِ وَالتَّجَلِّي

صَهْوَةُ العِشْقِ وَالتَّجَلِّي

  غَرَسْتُ عَيْنَيَّ فِي عَيْنَيْكَ مُسْتَهَمًا فَمَا رَأَيْتُ لِغَيْرِ العِشْقِ مُلْتَزَمَا وَصِرْتُ أَشْرَبُ مِنْ نَجْوَاكَ…

صورة الكاتب سحر حسب الله عبد
17 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد
شظايا النور في حضرة السرّ

شظايا النور في حضرة السرّ

انكسرت عيناك في فجرٍ لا أعرف اسمه، فتناثرت الأرواح كزجاجٍ يلمع تحت أقدام الغيب. الروح…

صورة الكاتب سحر حسب الله عبد
11 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


العمامة التي فاوضت العود

بقلم: سحر حسب الله عبد | التاريخ: 7 نوفمبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

العمامة التي فاوضت العود

لم تكن العمامة التي دخل بها الشيخ سيد النقشبندي إلى ذلك الاستوديو تعرف أنها ستخرج منه وقد تغيّرت طبيعة مهمتها ، ذهبت برفقة صاحبها إلى لقاء رتّبه الرئيس أنور السادات وعادت تحمل حكاية لم تكن في حسبانها أن رجلًا اسمه بليغ حمدي أمضى سنوات يعلّم العشاق كيف يتألمون على أنغام الموسيقى، قرر أن يرافق صوتًا اعتاد مناجاة السماء!
كانت العمامة على ما يبدو آخر من علم أن الموسيقى ستدخل المحراب فالنقشبندي لم يكن متحمسًا للفكرة ولم يرَ في صاحب “الحب كله ” و” ألف ليلة وليلة ” الشخص المناسب لمرافقة صوته في ابتهال ، أما السادات فبدا أكثر اطمئنانًا إلى هذه الزيجة الفنية من أهلها أنفسهم؛ جمع الرجلين وترك لوجدي الحكيم مهمة تقريب المسافات كأننا أمام مفاوضات سياسية لا ينقصها سوى توقيع اتفاقية تعاون بين العود والإنشاد الديني.
لم تكن المشكلة أن بليغ يريد تلحين ابتهال وإنما أن بليغ هو بليغ ذلك الذي يعرف كيف يجعل الكمان يتنهّد، والناي يتدلل، والقلب يتورط في الحب حتى أذنيه ، فكيف يُؤتمن هذا الرجل على محراب؟
وهل يستطيع من أدار موسيقى العشاق أن يقود صوتًا اعتاد الوقوف على أبواب السماء؟
تروي شهادات وجدي الحكيم أن النقشبندي استقبل الاقتراح بشيء من التردد وأنه جعل عمامته في حكاية تُروى عن اللقاء، علامة على موقفه من التجربة فإذا بقيت على رأسه ظل متحفظًا، وإذا خلعها فقد يكون في الأمر ما يستحق الإصغاء ، ثم تركه الحكيم مع بليغ وعاد بعد نحو نصف ساعة ليجد أن شيئًا ما قد تبدّل ، لم تعد العمامة تؤدي دور الحارس على حدود التجربة وصار النقشبندي أكثر انفتاحًا على ما يسمعه وكانت عبارته الشهيرة كما نقلها الحكيم: ” يا وجدي بليغ ده جن”
ولعل العبقرية في تلك الحكاية لا تكمن في أن بليغ أقنع النقشبندي فحسب وإنما في أن كليهما اضطر إلى مغادرة منطقة آمنة ، لم يذهب بليغ ليضع موسيقى على صوت ديني كما يوضع إطار على لوحة، ولم يذهب النقشبندي ليتنازل عن روحه الفنية إرضاءً لملحن مشهور، حدث شيء أكثر تعقيدًا:
التقى صوت يعرف طريقه إلى الوجدان بلحن يعرف كيف يفتح له طريقًا آخر ومن ذلك اللقاء خرج “مولاي إني ببابك” عمل لم يحتج إلى شرح الكيفية التي اجتمع بها العود والابتهال؛ فقد فعل ما هو أصعب، جعل الناس يسمعون النتيجة وينسون السؤال.
لكن الحكاية لا تنتهي عند استوديو بليغ ولا عند عمامة خاضت مغامرة لم تكن مدرجة في جدول أعمالها ، إنها تفتح بابًا أوسع على علاقة الثقافة بالتجديد وعلى ذلك الحارس المتطوع الذي يقف عند مدخل كل تجربة جديدة، حاملاً دفترًا صغيرًا يسجل فيه أسماء المسموح لهم بالابتكار، وأسماء الذين ينبغي أن يظلوا في أماكنهم إلى أجل غير مسمى.
هذا الحارس يحب الفن كثيرًا بشرط ألا يفاجئه ، يحب الشاعر الذي يكتب القصيدة بالطريقة التي اعتادها، والروائي الذي لا يغيّر ترتيب أثاث الحكاية، والموسيقي الذي يكرر النغمة التي صفّق لها الجمهور في المرة السابقة.
إنه لا يعادي الموهبة وإنما يريدها مطيعة ، يرحب بها ما دامت لا تضطره إلى مراجعة ذائقته فإذا خرج الفنان عن صورته المألوفة انتفض الحارس وسأل بقلق:
ما الذي حدث؟
أين ذهب صاحبنا الذي نعرفه؟
وكأن الفنان موظف في دائرة الإبداع و عُيّن في قسم محدد ولا يحق له الانتقال إلى قسم آخر من دون موافقة المدير العام للذائقة ، فإذا كتب الشاعر قصيدة مختلفة طُلب منه إرفاق طلب يوضح أسباب التغيير، وإذا جرّب الروائي شكلًا سرديًا جديدًا أُحيل عمله إلى لجنة تدقيق في مدى التزامه بتاريخه الشخصي ، أما الموسيقي فعليه أن يثبت أن خروجه من القالب الذي صنع شهرته لا يشكل تهديدًا للأمن العاطفي للجمهور.
والمفارقة أن بعض هؤلاء لا ينتظرون حتى يطّلعوا على التجربة كي يصدروا أحكامهم ، يكفي أن يعرفوا اسم صاحبها حتى تبدأ المحاكمة ، لديهم قدرة عجيبة على قراءة الروايات من أغلفتها ، واكتشاف عيوب القصائد من أسماء أصحابها، وتحديد قيمة الأعمال قبل أن ترى النور ، وقد يختصر أحدهم رواية من أربعمئة صفحة في جملة واحدة:
“هذا الكاتب لا يُنتظر منه شيء”
وحين تسأله عنها يجيب بثقة من قرأها حرفًا حرفًا: «ة
“لم أقرأها لكنني أعرف أسلوبه”
وهناك من يتخذ موقفًا أكثر أناقة يعلن انحيازه إلى التجريب لكنه يفضّل أن يكون التجريب مفهومًا ومقبولًا ومألوفًا، وألا يبتعد كثيرًا عن التجارب السابقة يريد من الجديد أن يأتي مرتديًا ملابس القديم وأن يغيّر ملامحه دون أن يربك أحدًا، وحين تظهر تجربة لا تشبه ما يعرفه يطالبها بشرح نفسها ثم يعتذر لها عن سوء الفهم قبل أن ينصح صاحبها بالعودة إلى الكتابة التي يفهمها الناس.
وللثقافة تجار يبيعون التجديد بالتجزئة ، يضعون الحداثة في مقدمة سيرهم الذاتية، ويستشهدون بها في الندوات، ويكثرون من استعمال مفرداتها حتى تكاد اللغة تطلب منهم استراحة لكنهم يفضلون حداثة لا تقترب من مواقعهم، ولا تزعج علاقاتهم، ولا تدعوهم إلى مراجعة أحكامهم ، يحتفون بالمختلف ما دام مختلفًا في مكان بعيد ويصفقون للمغامرة ما دامت لا تهدد المقاعد التي اعتادوا الجلوس عليها، إنهم لا يخشون التجديد ، يخشون أن يتجدد العالم من دون استشارتهم .
أما الذين لا يصفقون إلا بعد النجاح فلهم حكاية أخرى قبل أن يثبت العمل حضوره يتعاملون معه باعتباره مغامرة غير محسوبة، أو نزوة عابرة، أو خروجًا على الذوق العام لكن ما إن يلتف الجمهور حوله حتى تتبدل الذاكرة فجأة:
يكتشف الناقد أنه كان يتابعه منذ بدايته ويعلن المثقف أنه تنبأ بمستقبله ويتذكر الصديق أنه نصح صاحبه بالاستمرار، فيما يؤكد أحد الحاضرين أنه كان أول من وصفه بالتجربة الاستثنائية.
هكذا تتحول الموهبة بعد نجاحها إلى ملكية جماعية ، يتسابق الجميع إلى تبنيها وتبدأ عملية توزيع الأسبقية:
هذا يقول إنه اكتشفها، وذاك يقول إنه احتضنها، وثالث يؤكد أنه فهمها قبل أن يفهمها أصحابها ، ولا يبقى للمبدع سوى أن يشكر الحاضرين على حسن رعايتهم لفكرته، وأن يعتذر لأنه لم يخبرهم مسبقًا بأنها ستنجح حتى يتسنى لهم تأييدها في الوقت المناسب.
وقد نصل إلى زمن يحتاج فيه النص إلى توصية قبل أن يحتاج إلى قارئ ، فتُقرأ أسماء المشاركين قبل أعمالهم، وتُفحص العلاقات قبل الأساليب، ويصبح السؤال عن صاحب النص أهم من السؤال عن النص نفسه، وقد يُمنح عمل فرصة لأنه صادر عن اسم مألوف بينما يُترك عمل آخر عند الباب لأنه لم يسبق له أن دخل القاعة ، وحين ينجح الكاتب الذي لم يكن أحد يعرفه تُنسب الرؤية البعيدة إلى اللجنة مع أن الموهبة نفسها ربما قضت سنوات تبحث عمن يفتح لها الباب.
ومع ذلك لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن التجديد إلى دفاع أعمى عن كل ما يُكتب باسمه فليس كل خروج على المألوف ابتكارًا، وليس كل غموض عمقًا، وليس كل نص يرفض القواعد قد اكتشف قواعد جديدة، هناك أعمال تتخذ من الغرابة ستارًا لعجزها ومن كسر الشكل حجة على ضعف البناء، ومن إرباك القارئ دليلًا على أنها سبقت عصرها ، التجديد ليس إعفاءً من الجودة، كما أن المحافظة ليست دليلًا على الرداءة.
المسألة ليست أن نرفض القديم لمجرد أنه قديم، أو نقبل الجديد لمجرد أنه جديد؛ وإنما أن نمنح العمل فرصة عادلة ليكشف ما لديه ثم نحاكمه بمعايير الفن، لا بمزاج الحارس الواقف عند الباب.
فبليغ حمدي لم يصبح مجددًا لأنه وضع لحنًا غير مألوف، والنقشبندي لم يصبح أكثر انفتاحًا لأنه خلع عمامته ، ما حدث أن التجربة امتلكت ما يبرر وجودها وأن موهبتين التقتا عند نقطة لم تكن أي منهما لتبلغها وحدها ،لم يكن اللحن ناجحًا لأن السادات طلبه ، ولا لأن صاحبه مشهور، ولا لأن المنشد قرر خوض مغامرة ، لقد بقي لأنه وجد مكانه في وجدان الناس.
وهنا تكمن المفارقة: نحن نطالب الفنان دائمًا بأن يفاجئنا ثم نعاقبه حين يفعل ، نريده أن يبتكر لكننا نفضّل أن نعرف مسبقًا شكل ابتكاره ، نطالبه بأن يفتح نافذة جديدة ثم نسأله لماذا لم يستأذننا قبل أن يدخل الهواء وربما لهذا يظل بعض المبدعين مضطرين إلى خوض معركتين؛ واحدة مع العمل حتى يكتمل وأخرى مع الذين يعتقدون أن اكتماله لا يمنحه الحق في الوجود ما لم يوافق أذواقهم.
أما العمامة فلا نعرف إن كانت قد سامحت بليغ حمدي على ما فعله بها في ذلك اليوم أو إن كانت قد احتفظت في طياتها باعتراض صغير لم يجرؤ صاحبها على إعلانه لكن المؤكد أن “مولاي إني ببابك ” عاش أطول من كثير من الأحكام التي صدرت عليه قبل أن يولد وأن العود لم يحتج إلى عضوية في نقابة المحاريب كي يؤدي دوره.
ومنذ ذلك اللقاء صار في وسع كل تجربة جديدة أن تستشهد بحكاية العمامة لا لتطلب من أحد أن يخلعها وإنما لتذكّره بأن بعض الأفكار لا تحتاج إلى من يحرس أبوابها بل إلى من يمنحها وقتًا كافيًا كي تُسمع.
وربما لو عادت العمامة إلى الاستوديو اليوم لوجدت أمام الباب لجنة استقبال، وناقدًا يطلب الاطلاع على السيرة الذاتية للعود، ومثقفًا يعلن تأييده للتجربة بشرط ألا تتكرر، وآخر ينتظر نجاحها ليؤكد أنه كان من أوائل المؤمنين بها.
أما بليغ فسيكون قد انتهى من التلحين وغادر وسيظل العود في الداخل ينتظر أن تنتهي اللجنة من مناقشة أهليته لدخول المحراب.