المسرح المدرسي بين التلقّي والمشاركة

صورة الكاتب
بقلم: عمار سیف
التاريخ: 19 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 17
المسرح المدرسي بين التلقّي والمشاركة

 

المسرح المدرسي بين التلقّي والمشاركة
عمار سيف
في المسرح المدرسي يُمارس التلميذ دوراً مزدوجاً، فهو ممثل ومتفرج في آنٍ واحد، لأن الممثلين في المسرح المدرسي هم نماذج مختارة من التلاميذ ممن لديهم الرغبة في التمثيل والقدرة على خوض هذه التجربة، كذلك الحال بالنسبة للمتفرجين فهم من التلاميذ أيضاً، وقلّما يُشارك الآباء في حضور عروض المسرح المدرسي، وهذا ما لا نجده في مسرح الأطفال الذي يمكن أن يقدمه الكبار للأطفال الصغار أو أن يشترك الأطفال مع الكبار في تقديمه، وعادة ما يقدمه الأطفال لوحدهم بحضور آبائهم، وهذه المفارقة بين المسرح المدرسي ومسرح الأطفال تعود إلى أن الأول تهتم به المدارس ومديريات النشاط المدرسي التابعة لوزارة التربية كنشاطات طلابية هدفها تقديم المناهج الدراسية بصيغة مسرحية، حيث يكون المسرح وسيلة إيضاح لتلك المناهج، ولا تخرج طبيعة المسرحيات المدرسية عن تلك الموضوعات المتعلقة بمناهج الدراسة، إضافة إلى أن من يتولى إنتاج وتقديم تلك المسرحيات هم المعلمون والتلاميذ ومشرفو الأنشطة الفنية في النشاط المدرسي، ويجري تقديم هذه المسرحيات عادة إلى تلاميذ المدارس، بينما نرى أن مسرح الأطفال تقدمه مؤسسات معنية بفن المسرح أصلاً مثل الفرقة القومية للتمثيل أو بعض الفرق الأهلية المهتمة بالأطفال وثقافتهم، وتتنوع موضوعات مسرح الأطفال بين الأسطورية والواقعية والشعبية، وتهدف إلى تطوير قابليات الطفل الجمالية وذائقته الفنية، خاصة الأطفال من المتفرجين، ومن النادر أن تلجأ هذه الفرق إلى تقديم مسرحيات بممثلين من الأطفال فقط كما يجري في المسرح المدرسي، كذلك نجد أن عروض المسرح المدرسي تُقدَّم عادة في قاعات المسارح المدرسية أو قاعات مديريات النشاط المدرسي، بينما نجد أن عروض مسرح الأطفال تُقدَّم في المسارح العامة، خاصة المسارح الرسمية التي تضم تقنيات كبيرة تساعد المخرجين المسرحيين في تقديم عناصر الإبهار اللازمة في مسرح الأطفال، وهو ما لا يتحقق عادة في المسرح المدرسي الذي يهتم بالخطاب التربوي واللفظي أكثر من اهتمامه بالخطاب الجمالي في العرض،ومن خلال متابعتنا لما يُقدَّم في المسارح المدرسية ومسرح الأطفال نجد غياب المسافة الفاصلة بين الجنسين، حيث نرى أن المخرجين في مسارح المدارس يستعيرون أشياءً كثيرة من مسرح الطفل والعكس أيضاً، وبذلك تصبح مسألة التمييز بين الاثنين ملتبسة للجميع، لكننا نعتقد أن الأهم هو ضرورة التأكيد على ما يتميز به المسرح المدرسي، وهو أن يكون فيه التلميذ ممثلاً ومتفرجاً في آنٍ واحد، وهو ما يمنح التلميذ فرصة لتوسيع الخيال عبر ما يقدمه هذا المسرح من صورة درامية للمناهج الدراسية، فتصبح جميع مفردات تلك المناهج تتحدث وتنطق؛ الشخصيات التاريخية، وحركات الإعراب في قواعد اللغة، والعناصر الكيميائية، والحروف في أبجديات اللغة، والخرائط والأنهار والجبال في الجغرافيا… إلخ، وهو ما يمنح خيال التلميذ قدرة اختراق العناصر الجامدة في المنهج إلى العناصر الحية المتحركة، ولا يقتصر أثر المسرح المدرسي على تحويل المعرفة إلى صورة درامية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقة بين التلميذ وزملائه داخل المدرسة، فالعرض المسرحي لا يقوم على موهبة فرد واحد مهما بلغت قدراته، وإنما ينهض على التعاون وتكامل الأدوار، الأمر الذي يجعل كل تلميذ يشعر بأن نجاحه مرتبط بنجاح الآخرين. ومن خلال هذه الممارسة يتعلم التلميذ احترام الرأي المختلف، والالتزام بالنظام، والإصغاء، وتحمل المسؤولية، وهي قيم تربوية يصعب ترسيخها بالمواعظ المجردة، بينما يغرسها المسرح بوصفها سلوكاً عملياً يعيشه التلميذ في أثناء التدريب والعرض ، كما أن التجربة المسرحية تمنح المعرفة بعداً وجدانياً لا توفره طرائق التعليم التقليدية، لأن ما يكتسبه التلميذ عن طريق التمثيل يظل أكثر رسوخاً في الذاكرة مما يكتسبه عن طريق الحفظ وحده. فحين تتحول المعلومة إلى شخصية تتحرك، أو حدث يُجسَّد، أو موقف يُعاش فوق الخشبة، تصبح المعرفة تجربة إنسانية لا مادة دراسية فحسب، وبذلك يغدو المسرح المدرسي وسيلة لإنتاج الفهم قبل استظهار المعلومات، وإحياء المنهج قبل تلقينه والشيء الآخر الأهم في نظرنا هو ما يمنحه المسرح من قدرة التعبير للتلميذ، حيث يوفر له التمثيل مساحة للتعبير وإثبات الوجود، وهو ما لا يمكن أن تحققه المناهج الدراسية في صيغتها الجامدة في الكتب، وقدرة التعبير هذه تجعل التلميذ يتحرر من مكبوتاته ويدخل إلى فضاء الحرية الذي يفتت كل عقد الطفولة التي يمكن أن تولدها التربية غير المتوازنة في البيت والمدرسة، فيأتي التمثيل ليعيد للتلميذ توازنه ويمنحه الثقة في نفسه، وأخيراً فإن المسرح المدرسي يربي التلاميذ على روح المشاركة، سواء عبر أداء الأدوار التمثيلية، أو عن طريق المشاهدة المباشرة لتلك الأدوار أو المسرحيات، وروح المشاركة التي يزرعها المسرح المدرسي في نفوس التلاميذ تعودهم على الرغبة المستمرة في تبادل الأدوار، حيث يتمنى المتفرجون أن يصبحوا ممثلين في المسرحيات التي يشاهدونها، وهو ما يحفز لديهم الرغبة في المشاركة المستمرة والتعبير الجماعي، إننا مدعوون – حقيقة – إلى الاهتمام بالمسرح المدرسي مثلما ينصب اهتمامنا على أبجديات التعلم في المدارس، فإذا كانت المدرسة تعلم أبجديات الحياة، فإن المسرح المدرسي يعلم الحياة كلها.

 

عن الکاتب / الکاتبة

عمار سیف
عمار سیف
کاتب . ممثل مسرحي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المسرح المدرسي بين التلقّي والمشاركة

بقلم: عمار سیف | التاريخ: 19 يوليو 2026

التصنيف: أدب الأطفال

 

المسرح المدرسي بين التلقّي والمشاركة
عمار سيف
في المسرح المدرسي يُمارس التلميذ دوراً مزدوجاً، فهو ممثل ومتفرج في آنٍ واحد، لأن الممثلين في المسرح المدرسي هم نماذج مختارة من التلاميذ ممن لديهم الرغبة في التمثيل والقدرة على خوض هذه التجربة، كذلك الحال بالنسبة للمتفرجين فهم من التلاميذ أيضاً، وقلّما يُشارك الآباء في حضور عروض المسرح المدرسي، وهذا ما لا نجده في مسرح الأطفال الذي يمكن أن يقدمه الكبار للأطفال الصغار أو أن يشترك الأطفال مع الكبار في تقديمه، وعادة ما يقدمه الأطفال لوحدهم بحضور آبائهم، وهذه المفارقة بين المسرح المدرسي ومسرح الأطفال تعود إلى أن الأول تهتم به المدارس ومديريات النشاط المدرسي التابعة لوزارة التربية كنشاطات طلابية هدفها تقديم المناهج الدراسية بصيغة مسرحية، حيث يكون المسرح وسيلة إيضاح لتلك المناهج، ولا تخرج طبيعة المسرحيات المدرسية عن تلك الموضوعات المتعلقة بمناهج الدراسة، إضافة إلى أن من يتولى إنتاج وتقديم تلك المسرحيات هم المعلمون والتلاميذ ومشرفو الأنشطة الفنية في النشاط المدرسي، ويجري تقديم هذه المسرحيات عادة إلى تلاميذ المدارس، بينما نرى أن مسرح الأطفال تقدمه مؤسسات معنية بفن المسرح أصلاً مثل الفرقة القومية للتمثيل أو بعض الفرق الأهلية المهتمة بالأطفال وثقافتهم، وتتنوع موضوعات مسرح الأطفال بين الأسطورية والواقعية والشعبية، وتهدف إلى تطوير قابليات الطفل الجمالية وذائقته الفنية، خاصة الأطفال من المتفرجين، ومن النادر أن تلجأ هذه الفرق إلى تقديم مسرحيات بممثلين من الأطفال فقط كما يجري في المسرح المدرسي، كذلك نجد أن عروض المسرح المدرسي تُقدَّم عادة في قاعات المسارح المدرسية أو قاعات مديريات النشاط المدرسي، بينما نجد أن عروض مسرح الأطفال تُقدَّم في المسارح العامة، خاصة المسارح الرسمية التي تضم تقنيات كبيرة تساعد المخرجين المسرحيين في تقديم عناصر الإبهار اللازمة في مسرح الأطفال، وهو ما لا يتحقق عادة في المسرح المدرسي الذي يهتم بالخطاب التربوي واللفظي أكثر من اهتمامه بالخطاب الجمالي في العرض،ومن خلال متابعتنا لما يُقدَّم في المسارح المدرسية ومسرح الأطفال نجد غياب المسافة الفاصلة بين الجنسين، حيث نرى أن المخرجين في مسارح المدارس يستعيرون أشياءً كثيرة من مسرح الطفل والعكس أيضاً، وبذلك تصبح مسألة التمييز بين الاثنين ملتبسة للجميع، لكننا نعتقد أن الأهم هو ضرورة التأكيد على ما يتميز به المسرح المدرسي، وهو أن يكون فيه التلميذ ممثلاً ومتفرجاً في آنٍ واحد، وهو ما يمنح التلميذ فرصة لتوسيع الخيال عبر ما يقدمه هذا المسرح من صورة درامية للمناهج الدراسية، فتصبح جميع مفردات تلك المناهج تتحدث وتنطق؛ الشخصيات التاريخية، وحركات الإعراب في قواعد اللغة، والعناصر الكيميائية، والحروف في أبجديات اللغة، والخرائط والأنهار والجبال في الجغرافيا… إلخ، وهو ما يمنح خيال التلميذ قدرة اختراق العناصر الجامدة في المنهج إلى العناصر الحية المتحركة، ولا يقتصر أثر المسرح المدرسي على تحويل المعرفة إلى صورة درامية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقة بين التلميذ وزملائه داخل المدرسة، فالعرض المسرحي لا يقوم على موهبة فرد واحد مهما بلغت قدراته، وإنما ينهض على التعاون وتكامل الأدوار، الأمر الذي يجعل كل تلميذ يشعر بأن نجاحه مرتبط بنجاح الآخرين. ومن خلال هذه الممارسة يتعلم التلميذ احترام الرأي المختلف، والالتزام بالنظام، والإصغاء، وتحمل المسؤولية، وهي قيم تربوية يصعب ترسيخها بالمواعظ المجردة، بينما يغرسها المسرح بوصفها سلوكاً عملياً يعيشه التلميذ في أثناء التدريب والعرض ، كما أن التجربة المسرحية تمنح المعرفة بعداً وجدانياً لا توفره طرائق التعليم التقليدية، لأن ما يكتسبه التلميذ عن طريق التمثيل يظل أكثر رسوخاً في الذاكرة مما يكتسبه عن طريق الحفظ وحده. فحين تتحول المعلومة إلى شخصية تتحرك، أو حدث يُجسَّد، أو موقف يُعاش فوق الخشبة، تصبح المعرفة تجربة إنسانية لا مادة دراسية فحسب، وبذلك يغدو المسرح المدرسي وسيلة لإنتاج الفهم قبل استظهار المعلومات، وإحياء المنهج قبل تلقينه والشيء الآخر الأهم في نظرنا هو ما يمنحه المسرح من قدرة التعبير للتلميذ، حيث يوفر له التمثيل مساحة للتعبير وإثبات الوجود، وهو ما لا يمكن أن تحققه المناهج الدراسية في صيغتها الجامدة في الكتب، وقدرة التعبير هذه تجعل التلميذ يتحرر من مكبوتاته ويدخل إلى فضاء الحرية الذي يفتت كل عقد الطفولة التي يمكن أن تولدها التربية غير المتوازنة في البيت والمدرسة، فيأتي التمثيل ليعيد للتلميذ توازنه ويمنحه الثقة في نفسه، وأخيراً فإن المسرح المدرسي يربي التلاميذ على روح المشاركة، سواء عبر أداء الأدوار التمثيلية، أو عن طريق المشاهدة المباشرة لتلك الأدوار أو المسرحيات، وروح المشاركة التي يزرعها المسرح المدرسي في نفوس التلاميذ تعودهم على الرغبة المستمرة في تبادل الأدوار، حيث يتمنى المتفرجون أن يصبحوا ممثلين في المسرحيات التي يشاهدونها، وهو ما يحفز لديهم الرغبة في المشاركة المستمرة والتعبير الجماعي، إننا مدعوون – حقيقة – إلى الاهتمام بالمسرح المدرسي مثلما ينصب اهتمامنا على أبجديات التعلم في المدارس، فإذا كانت المدرسة تعلم أبجديات الحياة، فإن المسرح المدرسي يعلم الحياة كلها.