حين أنصتت الغربان

صورة الكاتب
بقلم: زهراء مؤيد صاحب
التاريخ: 15 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 1628
حين أنصتت الغربان

حين أنصتت الغربان

في أطراف المدينة، حيث لا يصل ضجيج الناس ولا نفاقهم، كانت هناك شجرة زيتونٍ ضخمة تشهد على صمت العالم، وفي أعلاها مجموعة من الغربان السوداء تتبادل تساؤلاتها اليومية.

قال أحدهم وهو يتأمل المدينة المترامية خلف الحقول:
– لماذا يكرهنا البشر إلى هذا الحد؟
ردّ آخر بنبرةٍ غاضبة:
– لأننا سودُ الأجنحة! هكذا فقط، سوادنا يكفي ليجعلنا نذيرَ شؤمٍ في عيونهم.
قال الثالث:
– نحنُ أكثر الكائنات حساسيةً وذكاءً، لكنهم لا يرون ذلك. يرون الظلّ ولا يرون النور الذي فينا.

صمتت المجموعة قليلًا، حتى سمعوا من بعيد أنينًا بشريًا خافتًا. كانت فتاة تجلس تحت الشجرة نفسها، تضع دفترًا على ساقيها وتكتب شيئًا كأنها تكتب على جرحٍ مفتوح. لم تكن تدري أنّ الغربان فوقها تستمع إلى كلّ حرفٍ يخرج من فمها المرتجف.

كانت تكتب لنفسها، تحكي قصة لم تجد من يصغي لها منذ ولادتها.
تحكي عن أمٍ ماتت وهي تلدها، وعن أبٍ لم يعرف من الأبوة سوى الاسم.
تزوج بعد وفاة أمها بأيام، ليجلب إلى البيت زوجةً قاسية القلب، لا ترى فيها سوى عبءٍ يذكّرها بالراحلة.
كانت الطفلة تكبر بين كلماتٍ جارحة ويدٍ لا تعرف الرحمة، حتى جاء اليوم الذي تقدّم فيه رجلٌ لطلب يدها وهي بعد في الثالثة عشرة من عمرها، رجل تجاوز الأربعين وتزوّج قبلها مرارًا. لم يكن أحدٌ في البيت يملك قلبًا يدافع عنها، فزوّجوها.

ومن هناك بدأت حكايتها مع الألم.
تحوّل البيت إلى سجنٍ، والطفولة إلى ماضٍ بعيدٍ لا يُذكر.
كانت تُعنّف، تُهان، وتُكسر كلّ يوم بصمتٍ لا يسمعه أحد.
مرت سنوات، وأنجبت طفلين، لكنّ الألم بقي أكبر من أي حبّ.

وحين ضاقت بها الأرض، بدأت تزور شجرة الزيتون التي تبعد نحو مئة مترٍ عن بيتها. كانت تأتي كل مساء، تكتب وتبكي وتبوح. تلك الشجرة الوحيدة كانت منصتها وسامعتها، لم تخذلها يومًا.
ومع الوقت، صار للغربان طقسٌ يوميّ:
كلّ غروبٍ يجتمعون ليستمعوا إلى الفتاة الغريبة التي تكتب على جذع الزيتون كأنها تكتب على وجه اللهفة نفسها.

كانت كلماتها تخترقهم حتى العظم. شعروا بشيءٍ يشبه التعاطف، ذلك الإحساس النادر الذي لم يسبق لهم أن عرفوه تجاه بشر. كانوا يريدون أن يساندوها ولو مرة واحدة، أن يقولوا شيئًا يخفف عنها.
لكن الخوف من الصورة التي رسمها الناس لهم كان يمنعهم؛
فكيف يُصدّقها أحد لو قالت إنّ الغربان صاروا أصدقاءها؟
سيقولون إنها مجنونة، مثلهم تمامًا.

ذات يوم، قرّر أحدهم – وكان أكثرهم جرأة – أن يقترب منها.
هبط من الشجرة بخفةٍ ووقف أمامها.
ارتعبت قليلًا، ثم نظرت إليه طويلاً… ولم تصرخ.
قالت بهدوءٍ غريب:
– كنتُ أعرف أنّكم تسمعونني.
تفاجأ الغراب، وقال متلعثمًا:
– أتدرين ذلك؟
– نعم. كنتُ أراكُم تتابعونني من الأعلى. ولم أخف، لأنكم لم تؤذوني يومًا كما فعل البشر.

ومن تلك اللحظة، انفتح بينهما حوارٌ طويل.
بدأت تحكي له قصصها بصوتٍ عالٍ، وبدأ هو يردّ بحكمٍ لا تصدر إلا عن كائنٍ ذاق مرارة الحياة.
قال لها يومًا:

“لا تنظري إلى الحياة من زاويةٍ واحدة، يا صديقتي.
ربما النظرة التي أوجعتكِ هي الخطأ الوحيد بين ألف صوابٍ لم تجربيه بعد.”

تأملت كلماته كأنها تسمع صوتًا من داخلها، وبدأت ترى النور الذي لم تلتفت إليه من قبل.
شيئًا فشيئًا، تحوّل صمتها إلى يقظةٍ، ويأسها إلى فهمٍ عميق للحياة.
صارت تكتب بلسانٍ أكثر وعيًا، وأقسمت أن تردّ للعالم حقّ الغربان، أن تُري الناس كم هم أذكى وأطهر مما يظنون.

لكن حين عادت في مساء اليوم التالي إلى شجرتها…
كانت الأرض مغطاةً بالريش الأسود، وصوتُ الرصاص لا يزال يرنّ في أذنيها.
صرخت، وهرعت نحو الأجساد الساكنة.
وجدت الغربان ممددة على التراب، والدم ينزف من جناحٍ كان بالأمس يرفرف فوقها.
ركضت نحو الفلاح الذي رأته بعيدًا يحمل بندقيته وقالت باكية:
– لماذا؟ لماذا قتلتهم؟
ابتسم بسخرية وقال:
– هذه الطيور تجلب الشؤم للمدينة. وجودها نحس، فلا فائدة منها.

سقطت على الأرض، وانهار كلّ ما بداخلها.
لكن وسط البكاء، شعرت بشيءٍ آخر ينمو فيها… غضبٌ لا يشبه أي غضب.
نظرت إلى الريش المتناثر وقالت بصوتٍ خافتٍ وحاد:
– إن كانوا قد ماتوا، فسأجعل صوتهم يعيش.

من تلك الليلة تغيّرت.
بدأت تكتب للعالم عنهم، عن ظلم الناس للكائنات التي لا تملك سوى أجنحةٍ وذكاءٍ وصدق.
تعلمت، درست، وواجهت كلّ من سخر منها.
حتى زوجها – الذي كان يومًا مصدر ألمها – بدأ يرى التغيير فيها.
أصبح يتفهمها، يدعمها، ويساعدها على شق طريقها.

مرت الأعوام، وصارت الفتاة امرأةً تُذكر في المحافل الثقافية، صاحبة منظماتٍ إنسانيةٍ ومشاريع تُعنى بالوعي والحكمة.
كانت تقول في خطاباتها دائمًا:

“لقد علّمتني الغربان أن السواد لا يعني القبح، وأن النور أحيانًا يسكن في الظلال.”

وفي إحدى الليالي، بعد سنواتٍ طويلة، سمعت طرقًا خفيفًا على نافذة غرفتها.
اقتربت بفضولٍ وخوفٍ طفوليّ، فرأتهم هناك.
الغربان.
كانت وجوههم مألوفة، نظراتهم دافئة.
تجمدت، ثم همست:
– كيف؟ ألستم من مات؟
اقترب الغراب الأكبر وقال بصوتٍ يشبه النسيم:

“لم نمت يا صديقتي.
ما حدث كان اتفاقًا مع الفلاح، حتى تتعلمي كيف تنهضين.
أردناكِ أن تجدي ذاتكِ في الفقد، لا في العزاء.”

سقطت دمعةٌ من عينيها وهي تبتسم.
قالت:
– نجحتم. لقد نهضت.
ردّ الغراب:

“والآن جاء دورنا لنواصل الطيران.
ما زالت هناك قصص كثيرة تنتظر أن تُسمَع.”

ثمّ طاروا مبتعدين، تاركين خلفهم رائحة الزيتون، وصوتًا في داخلها لن يسكت أبدًا.
كانت تعرف أنّهم لن يعودوا، لكنها أيضًا كانت تعرف أنّهم لن يغيبوا عنها.
لقد صاروا يسكنون فيها.

ومنذ ذلك اليوم، كلما كتبتْ شيئًا جديدًا،
كانت تسمع همسًا في أعماقها يقول:

“اكتبي يا من أحيتِ الحكمة من موت الغربان.

_زهـراء مؤيد

عن الکاتب / الکاتبة

زهراء مؤيد صاحب
زهراء مؤيد صاحب
قاصة وکاتبة/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

الغراب الأكبر

الغراب الأكبر

اقترب الغراب الأكبر وقال بصوتٍ يشبه النسيم: “لم نمت يا صديقتي. ما حدث كان اتفاقًا…

صورة الكاتب زهراء مؤيد صاحب
28 يناير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين أنصتت الغربان

بقلم: زهراء مؤيد صاحب | التاريخ: 15 فبراير 2026

التصنيف: قصة قصيرة

حين أنصتت الغربان

في أطراف المدينة، حيث لا يصل ضجيج الناس ولا نفاقهم، كانت هناك شجرة زيتونٍ ضخمة تشهد على صمت العالم، وفي أعلاها مجموعة من الغربان السوداء تتبادل تساؤلاتها اليومية.

قال أحدهم وهو يتأمل المدينة المترامية خلف الحقول:
– لماذا يكرهنا البشر إلى هذا الحد؟
ردّ آخر بنبرةٍ غاضبة:
– لأننا سودُ الأجنحة! هكذا فقط، سوادنا يكفي ليجعلنا نذيرَ شؤمٍ في عيونهم.
قال الثالث:
– نحنُ أكثر الكائنات حساسيةً وذكاءً، لكنهم لا يرون ذلك. يرون الظلّ ولا يرون النور الذي فينا.

صمتت المجموعة قليلًا، حتى سمعوا من بعيد أنينًا بشريًا خافتًا. كانت فتاة تجلس تحت الشجرة نفسها، تضع دفترًا على ساقيها وتكتب شيئًا كأنها تكتب على جرحٍ مفتوح. لم تكن تدري أنّ الغربان فوقها تستمع إلى كلّ حرفٍ يخرج من فمها المرتجف.

كانت تكتب لنفسها، تحكي قصة لم تجد من يصغي لها منذ ولادتها.
تحكي عن أمٍ ماتت وهي تلدها، وعن أبٍ لم يعرف من الأبوة سوى الاسم.
تزوج بعد وفاة أمها بأيام، ليجلب إلى البيت زوجةً قاسية القلب، لا ترى فيها سوى عبءٍ يذكّرها بالراحلة.
كانت الطفلة تكبر بين كلماتٍ جارحة ويدٍ لا تعرف الرحمة، حتى جاء اليوم الذي تقدّم فيه رجلٌ لطلب يدها وهي بعد في الثالثة عشرة من عمرها، رجل تجاوز الأربعين وتزوّج قبلها مرارًا. لم يكن أحدٌ في البيت يملك قلبًا يدافع عنها، فزوّجوها.

ومن هناك بدأت حكايتها مع الألم.
تحوّل البيت إلى سجنٍ، والطفولة إلى ماضٍ بعيدٍ لا يُذكر.
كانت تُعنّف، تُهان، وتُكسر كلّ يوم بصمتٍ لا يسمعه أحد.
مرت سنوات، وأنجبت طفلين، لكنّ الألم بقي أكبر من أي حبّ.

وحين ضاقت بها الأرض، بدأت تزور شجرة الزيتون التي تبعد نحو مئة مترٍ عن بيتها. كانت تأتي كل مساء، تكتب وتبكي وتبوح. تلك الشجرة الوحيدة كانت منصتها وسامعتها، لم تخذلها يومًا.
ومع الوقت، صار للغربان طقسٌ يوميّ:
كلّ غروبٍ يجتمعون ليستمعوا إلى الفتاة الغريبة التي تكتب على جذع الزيتون كأنها تكتب على وجه اللهفة نفسها.

كانت كلماتها تخترقهم حتى العظم. شعروا بشيءٍ يشبه التعاطف، ذلك الإحساس النادر الذي لم يسبق لهم أن عرفوه تجاه بشر. كانوا يريدون أن يساندوها ولو مرة واحدة، أن يقولوا شيئًا يخفف عنها.
لكن الخوف من الصورة التي رسمها الناس لهم كان يمنعهم؛
فكيف يُصدّقها أحد لو قالت إنّ الغربان صاروا أصدقاءها؟
سيقولون إنها مجنونة، مثلهم تمامًا.

ذات يوم، قرّر أحدهم – وكان أكثرهم جرأة – أن يقترب منها.
هبط من الشجرة بخفةٍ ووقف أمامها.
ارتعبت قليلًا، ثم نظرت إليه طويلاً… ولم تصرخ.
قالت بهدوءٍ غريب:
– كنتُ أعرف أنّكم تسمعونني.
تفاجأ الغراب، وقال متلعثمًا:
– أتدرين ذلك؟
– نعم. كنتُ أراكُم تتابعونني من الأعلى. ولم أخف، لأنكم لم تؤذوني يومًا كما فعل البشر.

ومن تلك اللحظة، انفتح بينهما حوارٌ طويل.
بدأت تحكي له قصصها بصوتٍ عالٍ، وبدأ هو يردّ بحكمٍ لا تصدر إلا عن كائنٍ ذاق مرارة الحياة.
قال لها يومًا:

“لا تنظري إلى الحياة من زاويةٍ واحدة، يا صديقتي.
ربما النظرة التي أوجعتكِ هي الخطأ الوحيد بين ألف صوابٍ لم تجربيه بعد.”

تأملت كلماته كأنها تسمع صوتًا من داخلها، وبدأت ترى النور الذي لم تلتفت إليه من قبل.
شيئًا فشيئًا، تحوّل صمتها إلى يقظةٍ، ويأسها إلى فهمٍ عميق للحياة.
صارت تكتب بلسانٍ أكثر وعيًا، وأقسمت أن تردّ للعالم حقّ الغربان، أن تُري الناس كم هم أذكى وأطهر مما يظنون.

لكن حين عادت في مساء اليوم التالي إلى شجرتها…
كانت الأرض مغطاةً بالريش الأسود، وصوتُ الرصاص لا يزال يرنّ في أذنيها.
صرخت، وهرعت نحو الأجساد الساكنة.
وجدت الغربان ممددة على التراب، والدم ينزف من جناحٍ كان بالأمس يرفرف فوقها.
ركضت نحو الفلاح الذي رأته بعيدًا يحمل بندقيته وقالت باكية:
– لماذا؟ لماذا قتلتهم؟
ابتسم بسخرية وقال:
– هذه الطيور تجلب الشؤم للمدينة. وجودها نحس، فلا فائدة منها.

سقطت على الأرض، وانهار كلّ ما بداخلها.
لكن وسط البكاء، شعرت بشيءٍ آخر ينمو فيها… غضبٌ لا يشبه أي غضب.
نظرت إلى الريش المتناثر وقالت بصوتٍ خافتٍ وحاد:
– إن كانوا قد ماتوا، فسأجعل صوتهم يعيش.

من تلك الليلة تغيّرت.
بدأت تكتب للعالم عنهم، عن ظلم الناس للكائنات التي لا تملك سوى أجنحةٍ وذكاءٍ وصدق.
تعلمت، درست، وواجهت كلّ من سخر منها.
حتى زوجها – الذي كان يومًا مصدر ألمها – بدأ يرى التغيير فيها.
أصبح يتفهمها، يدعمها، ويساعدها على شق طريقها.

مرت الأعوام، وصارت الفتاة امرأةً تُذكر في المحافل الثقافية، صاحبة منظماتٍ إنسانيةٍ ومشاريع تُعنى بالوعي والحكمة.
كانت تقول في خطاباتها دائمًا:

“لقد علّمتني الغربان أن السواد لا يعني القبح، وأن النور أحيانًا يسكن في الظلال.”

وفي إحدى الليالي، بعد سنواتٍ طويلة، سمعت طرقًا خفيفًا على نافذة غرفتها.
اقتربت بفضولٍ وخوفٍ طفوليّ، فرأتهم هناك.
الغربان.
كانت وجوههم مألوفة، نظراتهم دافئة.
تجمدت، ثم همست:
– كيف؟ ألستم من مات؟
اقترب الغراب الأكبر وقال بصوتٍ يشبه النسيم:

“لم نمت يا صديقتي.
ما حدث كان اتفاقًا مع الفلاح، حتى تتعلمي كيف تنهضين.
أردناكِ أن تجدي ذاتكِ في الفقد، لا في العزاء.”

سقطت دمعةٌ من عينيها وهي تبتسم.
قالت:
– نجحتم. لقد نهضت.
ردّ الغراب:

“والآن جاء دورنا لنواصل الطيران.
ما زالت هناك قصص كثيرة تنتظر أن تُسمَع.”

ثمّ طاروا مبتعدين، تاركين خلفهم رائحة الزيتون، وصوتًا في داخلها لن يسكت أبدًا.
كانت تعرف أنّهم لن يعودوا، لكنها أيضًا كانت تعرف أنّهم لن يغيبوا عنها.
لقد صاروا يسكنون فيها.

ومنذ ذلك اليوم، كلما كتبتْ شيئًا جديدًا،
كانت تسمع همسًا في أعماقها يقول:

“اكتبي يا من أحيتِ الحكمة من موت الغربان.

_زهـراء مؤيد