“حين اختُزلت السماء”

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 28 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 1562
“حين اختُزلت السماء”

حين اختُزلت السماء

في ذلك اليوم الصيفي، وبعفوية المشاعر، كان يسير بخفة قلب لا يعرف سوى الفرح، طفولة تتدفق في عروقه دون أن تثقلها مسؤولية أو يرهقها قلق. لم يتجاوز الثانية عشرة، لكنه كان يحمل ذلك المزيج الغامض من الحماسة والوجل، وهو يرافق إخوته نحو البئر العميق، رغم التحذيرات المتكررة التي كانت والدته تغرسها في ذاكرته كوصايا خفية:
– لا تقترب.. فالبئر لا يرحم.
ومع ذلك، تسارعت خطواته، كأن الطريق الترابي لم يعد يتسع لاندفاعه، وكأن شيئاً في داخله كان يسبقه إلى هناك.. إلى الحافة.
لم يكن يتوقع أن تكون الحافة بهذا الغدر. خطوة واحدة فقط. انزلقت قدمه على ماء مسكوب من دلو، كما تنفلت فكرة من رأس مثقل. لم يكن يدري، أصرخ أم لا؟ فالسقوط كان أسرع من الصوت وأبطأ من الفهم.
في تلك اللحظة المعلقة بين الأعلى والأسفل، شعر أن الزمن قد انكسر، فلم يعد هناك قبل ولا بعد، بل امتداد غامض يتمدد في داخله، كأن روحه تهوي قبله، أو ربما كانت تصعد… لا يعرف.
ثم جاءت لحظة ارتطامه بالماء، لم يكن الألم كما كان يُصور له ذلك من قبل، بل كانت دشداشته كأنها مظلة قللت من سرعة السقوط، وكذلك عمق الماء بما يكفي ليحتضن صدمته، كأن البئر فتح ذراعيه ليتلقاه، لا ليؤذيه. لحظة غريبة، بدت وكأنها ليست سقوطاً، بل عودة مؤجلة إلى شيء قديم، شيء يشبه البداية الأولى للوجود.
فتح عينيه، ظلام يلتف حوله، وماء بارد يلامس جسده ككائن غريب يختبر حضوره. تحسس أطرافه بقلق متردد؛ لا كسر، لا نزف، لا ألم يُذكر. فقط قلبه يخفق بعنف، كأنه يحتج على فكرة النهاية.
رفع رأسه. هناك فتحة صغيرة من الضوء، دائرة بعيدة، ضيقة، بالكاد تُرى. حولها رؤوس مبعثرة، أصوات متداخلة، وقلق يتسرب من الأعلى إلى قاعه. لكن تلك الدائرة كانت كل شيء.
حدق فيها طويلاً أو هكذا ظن، إذ لم يعد للزمن معنى، وكأنه بلحظة لا وعي يسأل نفسه بصوت داخلي مرتجف:
– كيف يمكن لسماء كاملة أن تُختزل في هذه الفتحة؟ وكيف لحياة كان يراها مترامية أن تنكمش فجأة إلى هذا العمق؟
لأول مرة، رأى السماء بهذا الصفاء، ربما لأن المسافة صارت صادقة.
بدأ الخوف يتسلل إليه، لا، لم يكن خوف السقوط، فقد انتهى ذلك، بل خوف البقاء، أن يتحول هذا القاع إلى مصير، وهذه الدائرة إلى آخر ما تلتقطه عيناه.
توالت الأسئلة في ذهنه ببراءة مذعورة:
– ماذا لو بقي هنا؟ ماذا لو صار صوته مجرد صدى؟ ماذا لو نسيه العالم كما يُنسى من لا حول لهم ولا قوة؟
ارتجفت أنفاسه. وللمرة الأولى، لم يفكر كيف يعيش، بل لماذا يجب ألا يموت. لذا أخذت تندفع في داخله صور متلاحقة: وجه أمه، صوتها وهي تحذره، ضحكاته مع إخوته، طرقات القرية، تفاصيل صغيرة مر بها يوماً دون أن يلتفت إليها. كم كان العالم واسعاً ضمن محيطه، وضيق بما يسمع.
في هذا الموقف، وهو متهيئ ليرى عيون الأفاعي التي صُورت له من قبل، هي لحظات من الخوف تحولت إلى سنين ضوئية، ففي القلب دفوف تدق في بدأ المعارك، يحاول الصراخ. إلا أنه شعر بشيء قد تغير، شيء يشبه الرغبة، أو ربما هي الحقيقة التي لم يكن يراها إلا الآن. لذا مد يده نحو الجدار، خشن، بارد، لكنه حقيقي. حاول أن يتمسك به، لا لأنه واثق من النجاة، بل لأنه أدرك فجأة وبعناد لم يعرفه من قبل أنه يريد أن يعيش.
همس بصوت مبحوح، كأنه يوقع حضوره في هذا الوجود:
“أنا هنا”
امتدت يده بلا وعي يبحث عن شيء، أي شيء. وفجأة لامس حبلاً في شاطئ الوعي بالواقع المادي، وصرخات من الأعلى “امسك، امسك”
لم يكن يعرف كيف يمسك، لكن أصابعه تعلمت بسرعة لا تشبهه، كأن الحياة نفسها كانت تتشبث بالحبل من خلاله.
بدأ الصعود شيئاً فشيئاً، لم تعد الفتحة بعيدة كما كانت، أو ربما لم يعد هو كما كان. هناك، على الحافة، أدرك أن السقوط لم يكن نهاية، بل كان لحظة وعي، صرخة داخلية أعادته إلى نفسه، إلى الحياة، بكل ما فيها من هشاشة تستحق التمسك.

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

عقدُ اللؤ لؤ 

عقدُ اللؤ لؤ 

عقدُ اللؤ لؤ  داود سلمان عجاج تعشقُ الموسيقى الصاخبةَ التي تتناغمُ واضطراب دواخلها التي لا…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
21 مايو 2026
اقرأ المزيد
ذات ليلة

ذات ليلة

ذات ليلة تحملقُ في أفقِ الزمنِ الذي أبعدها عن أحلامِها وقربها من الصمت, بمتاهةِ ضجر,…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
17 مايو 2026
اقرأ المزيد
بين رصاصة ونجاة

بين رصاصة ونجاة

بين رصاصة ونجاة   لا يدري لماذا يتسلل إلى داخله شعور ثقيل، كأن المساء الذي…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
13 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“حين اختُزلت السماء”

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 28 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

حين اختُزلت السماء

في ذلك اليوم الصيفي، وبعفوية المشاعر، كان يسير بخفة قلب لا يعرف سوى الفرح، طفولة تتدفق في عروقه دون أن تثقلها مسؤولية أو يرهقها قلق. لم يتجاوز الثانية عشرة، لكنه كان يحمل ذلك المزيج الغامض من الحماسة والوجل، وهو يرافق إخوته نحو البئر العميق، رغم التحذيرات المتكررة التي كانت والدته تغرسها في ذاكرته كوصايا خفية:
– لا تقترب.. فالبئر لا يرحم.
ومع ذلك، تسارعت خطواته، كأن الطريق الترابي لم يعد يتسع لاندفاعه، وكأن شيئاً في داخله كان يسبقه إلى هناك.. إلى الحافة.
لم يكن يتوقع أن تكون الحافة بهذا الغدر. خطوة واحدة فقط. انزلقت قدمه على ماء مسكوب من دلو، كما تنفلت فكرة من رأس مثقل. لم يكن يدري، أصرخ أم لا؟ فالسقوط كان أسرع من الصوت وأبطأ من الفهم.
في تلك اللحظة المعلقة بين الأعلى والأسفل، شعر أن الزمن قد انكسر، فلم يعد هناك قبل ولا بعد، بل امتداد غامض يتمدد في داخله، كأن روحه تهوي قبله، أو ربما كانت تصعد… لا يعرف.
ثم جاءت لحظة ارتطامه بالماء، لم يكن الألم كما كان يُصور له ذلك من قبل، بل كانت دشداشته كأنها مظلة قللت من سرعة السقوط، وكذلك عمق الماء بما يكفي ليحتضن صدمته، كأن البئر فتح ذراعيه ليتلقاه، لا ليؤذيه. لحظة غريبة، بدت وكأنها ليست سقوطاً، بل عودة مؤجلة إلى شيء قديم، شيء يشبه البداية الأولى للوجود.
فتح عينيه، ظلام يلتف حوله، وماء بارد يلامس جسده ككائن غريب يختبر حضوره. تحسس أطرافه بقلق متردد؛ لا كسر، لا نزف، لا ألم يُذكر. فقط قلبه يخفق بعنف، كأنه يحتج على فكرة النهاية.
رفع رأسه. هناك فتحة صغيرة من الضوء، دائرة بعيدة، ضيقة، بالكاد تُرى. حولها رؤوس مبعثرة، أصوات متداخلة، وقلق يتسرب من الأعلى إلى قاعه. لكن تلك الدائرة كانت كل شيء.
حدق فيها طويلاً أو هكذا ظن، إذ لم يعد للزمن معنى، وكأنه بلحظة لا وعي يسأل نفسه بصوت داخلي مرتجف:
– كيف يمكن لسماء كاملة أن تُختزل في هذه الفتحة؟ وكيف لحياة كان يراها مترامية أن تنكمش فجأة إلى هذا العمق؟
لأول مرة، رأى السماء بهذا الصفاء، ربما لأن المسافة صارت صادقة.
بدأ الخوف يتسلل إليه، لا، لم يكن خوف السقوط، فقد انتهى ذلك، بل خوف البقاء، أن يتحول هذا القاع إلى مصير، وهذه الدائرة إلى آخر ما تلتقطه عيناه.
توالت الأسئلة في ذهنه ببراءة مذعورة:
– ماذا لو بقي هنا؟ ماذا لو صار صوته مجرد صدى؟ ماذا لو نسيه العالم كما يُنسى من لا حول لهم ولا قوة؟
ارتجفت أنفاسه. وللمرة الأولى، لم يفكر كيف يعيش، بل لماذا يجب ألا يموت. لذا أخذت تندفع في داخله صور متلاحقة: وجه أمه، صوتها وهي تحذره، ضحكاته مع إخوته، طرقات القرية، تفاصيل صغيرة مر بها يوماً دون أن يلتفت إليها. كم كان العالم واسعاً ضمن محيطه، وضيق بما يسمع.
في هذا الموقف، وهو متهيئ ليرى عيون الأفاعي التي صُورت له من قبل، هي لحظات من الخوف تحولت إلى سنين ضوئية، ففي القلب دفوف تدق في بدأ المعارك، يحاول الصراخ. إلا أنه شعر بشيء قد تغير، شيء يشبه الرغبة، أو ربما هي الحقيقة التي لم يكن يراها إلا الآن. لذا مد يده نحو الجدار، خشن، بارد، لكنه حقيقي. حاول أن يتمسك به، لا لأنه واثق من النجاة، بل لأنه أدرك فجأة وبعناد لم يعرفه من قبل أنه يريد أن يعيش.
همس بصوت مبحوح، كأنه يوقع حضوره في هذا الوجود:
“أنا هنا”
امتدت يده بلا وعي يبحث عن شيء، أي شيء. وفجأة لامس حبلاً في شاطئ الوعي بالواقع المادي، وصرخات من الأعلى “امسك، امسك”
لم يكن يعرف كيف يمسك، لكن أصابعه تعلمت بسرعة لا تشبهه، كأن الحياة نفسها كانت تتشبث بالحبل من خلاله.
بدأ الصعود شيئاً فشيئاً، لم تعد الفتحة بعيدة كما كانت، أو ربما لم يعد هو كما كان. هناك، على الحافة، أدرك أن السقوط لم يكن نهاية، بل كان لحظة وعي، صرخة داخلية أعادته إلى نفسه، إلى الحياة، بكل ما فيها من هشاشة تستحق التمسك.