“منذُ وقتٍ بعيد”

صورة الكاتب
بقلم: محمد أحمد
التاريخ: 26 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2180
“منذُ وقتٍ بعيد”

منذُ وقتٍ بعيد
وأنا أكرهُ فكرةَ الحدود
منذُ كنتُ طفلًا
في الصفِّ الابتدائي
حين استيقظتُ صباحًا
وسألتُ عن أختي الكُبرى
فقالوا:
تزوّجتْ
بعيدًا… بعيدًا
نهضتُ من فراشي
وحبَوتُ على الأرض
أجرُّ حذاءَ أبي الكبير
أضربُ به المسافة
تلك التي تبعدني عن أختي
والتي لطالما أردت كسرها بضربةِ حذاء
في ليلةٍ ما
طرقَ بابَنا مُعلّم الجغرافيا
قال لأبي
إنني تلميذٌ كسول
وإن عليّ
أن أتعلّمَ المسافات
والحدود
غضبَ أبي
ناداني
أحضرَ كتابَ الجغرافيا
جلستُ أمامهُ
كمن يجلسُ أمام جبلٍ
يكفيهِ سحب خيطٌ واحد من ثوبهِ
وينفجر
فتحَ الكتابَ بعصبيةٍ
اختارَ نهرَ دجلة
وصاح:
أينَ حدودُ هذا النهر؟
أنزلتُ رأسي
ولم أُجب
صرخَ مرةً أخرى
صمتُّ
رفعَ قبضتَهُ
عالياً
عالياً
ثم أنزلها بقوةٍ على نهر دجلة
حتى تناثرت مياهُهُ عَليَّ
ودخلت عَينيَّ
وابتلت ثيابي
هربتُ
ناداني
لم ألتفت
وبينما كان جدولُ الضربِ قُربهُ
ألتقط الرقمَ اثنين بسرعة
وقذفهُ نحوي
انحنيتُ
فنجوتُ
رمى الرقمَ أربعة
أصابني
غرسَهُ في جسدي
وتركني أحملهُ معي
في الصف
كُلما طلبت مني المعلمة
أن أجمعَ رقمين
كنتُ أرفعُ قميصي الأبيض الصغير
أسحبُ الرقمَ أربعة المغروسة في لحمي
أمسحُ الدمَ عنها
وألصقُها على السبورة
كانَ التلاميذُ يبكون
والمعلمةُ تطردني
إلى الخارج

الآن
بعد أن كبرتُ
وتزوّجت
تأخذني زوجتي كثيرًا
إلى طبيبِ العيون
أسمعُها تسألهُ:
متى موعدُ سَحب الماءِ القادم؟
يهمسُ لها الطبيب:
كُلما سمعتِ
نهرَ دجلةَ
أوشك
أن
يَجفّ…….

 

عن الکاتب / الکاتبة

محمد أحمد
محمد أحمد
كاتب وشاعر

مقالات أخرى للكاتب

“حين يقتربُ موعدُنا”

“حين يقتربُ موعدُنا”

حين يقتربُ موعدُنا   حين يقتربُ موعدُنا للنهايةِ وتنهضينَ ببطءٍ تُضبطينَ شعركِ تلتقطينَ حقيبتكِ وتَنفُضين…

صورة الكاتب محمد أحمد
2 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“منذُ وقتٍ بعيد”

بقلم: محمد أحمد | التاريخ: 26 أبريل 2026

التصنيف: الشعر

منذُ وقتٍ بعيد
وأنا أكرهُ فكرةَ الحدود
منذُ كنتُ طفلًا
في الصفِّ الابتدائي
حين استيقظتُ صباحًا
وسألتُ عن أختي الكُبرى
فقالوا:
تزوّجتْ
بعيدًا… بعيدًا
نهضتُ من فراشي
وحبَوتُ على الأرض
أجرُّ حذاءَ أبي الكبير
أضربُ به المسافة
تلك التي تبعدني عن أختي
والتي لطالما أردت كسرها بضربةِ حذاء
في ليلةٍ ما
طرقَ بابَنا مُعلّم الجغرافيا
قال لأبي
إنني تلميذٌ كسول
وإن عليّ
أن أتعلّمَ المسافات
والحدود
غضبَ أبي
ناداني
أحضرَ كتابَ الجغرافيا
جلستُ أمامهُ
كمن يجلسُ أمام جبلٍ
يكفيهِ سحب خيطٌ واحد من ثوبهِ
وينفجر
فتحَ الكتابَ بعصبيةٍ
اختارَ نهرَ دجلة
وصاح:
أينَ حدودُ هذا النهر؟
أنزلتُ رأسي
ولم أُجب
صرخَ مرةً أخرى
صمتُّ
رفعَ قبضتَهُ
عالياً
عالياً
ثم أنزلها بقوةٍ على نهر دجلة
حتى تناثرت مياهُهُ عَليَّ
ودخلت عَينيَّ
وابتلت ثيابي
هربتُ
ناداني
لم ألتفت
وبينما كان جدولُ الضربِ قُربهُ
ألتقط الرقمَ اثنين بسرعة
وقذفهُ نحوي
انحنيتُ
فنجوتُ
رمى الرقمَ أربعة
أصابني
غرسَهُ في جسدي
وتركني أحملهُ معي
في الصف
كُلما طلبت مني المعلمة
أن أجمعَ رقمين
كنتُ أرفعُ قميصي الأبيض الصغير
أسحبُ الرقمَ أربعة المغروسة في لحمي
أمسحُ الدمَ عنها
وألصقُها على السبورة
كانَ التلاميذُ يبكون
والمعلمةُ تطردني
إلى الخارج

الآن
بعد أن كبرتُ
وتزوّجت
تأخذني زوجتي كثيرًا
إلى طبيبِ العيون
أسمعُها تسألهُ:
متى موعدُ سَحب الماءِ القادم؟
يهمسُ لها الطبيب:
كُلما سمعتِ
نهرَ دجلةَ
أوشك
أن
يَجفّ…….