هيهات منا الذلة الخطاب الدلالي الكوني للعزة ومناهضة الظلم في العالم
الأستاذ المساعد الدكتور حميد ابولول جبجاب
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد/ جامعة ميسان
لما عبأ ابن سعد أصحابه فأحاطوا بالحسين( عليه السلام) من كل جانب حتى جعلوه في مثل حلقة، خرج الحسين من أصحابه فأتاهم فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا فقال لهم: ويلكم! ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي! وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد! فتلاوم أصحاب عمر بن سعد، وقالوا: أنصتوا له، فقال في خطبة يوم عاشوراء : “…….. ” ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وخذلان الناصر……..”
تمثل سيرة أهل البيت عليهم السلام استمرار أصيلا للرسالة الإسلامية التي جاء بها نبي الرحمة محمد صل الله عليه وسلم إذ انطلقت مواقفهم وحركتهم من هدف رئيس يتمثل في صيانة مبادئ الإسلام والمحافظة على المنهج النبوي وترسيخ القيم التي أرساها الرسول في العدل والحق والكرامة الإنسانية ولم يكن دورهم معزول عن الرسالة المحمدية، بل جاء استمرارا لها في مواجهة مظاهر الانحراف التي هددت مقاصدها بما يضمن بقاء الإسلام محافظا على جوهره الأصيل وقيمه الأخلاقية والإنسانية.
وفي هذا الإطار، تعد نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) من أكثر الأحداث تأثيرا في التاريخ الإسلامي لما انطوى عليه من دلالات عقدية وأخلاقية وإنسانية عميقة الأمر الذي جعله محورا لعدد كبير من الدراسات التي تناولته من زوايا فكرية وتاريخية وحضارية متعددة ولم تعد واقعة عاشوراء تقرأ بوصفها حدثا تاريخيا فحسب، بل غدت مدرسة متكاملة ونموذجا خالدا يجسد قيم مقاومة الظلم ورفض الاستبداد والدفاع عن الكرامة الإنسانية على مر العصور ويأتي هذا الامتداد منسجما مع الرسالة المشتركة للأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، التي قامت على نصرة المظلوم ومواجهة الظالم وإعلاء قيم الحق والعدل وقد جسد الإمام الحسين ( عليه السلام) بوصفه الامتداد الشرعي لهذا النهج، هذه المبادئ في أسمى صورها وأكمل تجلياتها.
ومن هذا المنطلق، يعد الشعار التاريخي الذي أطلقه الإمام الحسين ( عليه السلام) يوم عاشوراء، هيهات منا الذله من أبرز التعبيرات التي تجسد فلسفة النهضة الحسينية وقيمها إذ اختزل في ألفاظه القليلة موقفا مبدئيا راسخا يقوم على صيانة الكرامة الإنسانية ورفض الخضوع للظلم ولم يكن هذا الشعار مجرد رد فعل آني على ظروف المواجهة بل جاء استجابة حاسمة للإنذار الذي وجهه عبيد الله بن زياد والقائم على المفاضلة بين البيعة أو الموت ليعلن رفضا قاطعا لكل أشكال الإذعان والإهانة.
وقد استند هذا الموقف إلى إيمان راسخ وتقوى عميقة وإرادة ثابتة تشكلت في ظل التربية الإلهية والفطرة الطاهرة التي لم تعرف المساومة على المبادئ ولم تقبل الخضوع للأدنياء أو الرضا بحياة الذل ومن هذا المنطلق لم يكن موقف الإمام الحسين (عليه السلام) خيارا سياسيا عابرا، بل كان تجسيدا عمليا لمنظومة قيمية وأخلاقية تستهدف حماية رسالة الإسلام وصيانة المنهج الذي أرساه الرسول محمد (ص)، والتأكيد أن العزة قيمة إلهية لا تنفصل عن الإيمان.
وينسجم هذا الخطاب انسجاما تاما مع الرؤية القرآنية التي تقصر العزة على الله تعالى ورسوله والمؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ (النساء: 139) وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8). وبهذا يغدو شعار هيهات منا الذلة امتدادا للمفهوم القرآني للعزة، وترجمة عملية له في مواجهة الانحراف والظلم وإعلانا دائما لرفض الخضوع لكل أشكال الاستبداد.
وختاماً فإن قيام الإمام الحسين (عليه السلام ) يجسد موقفا مبدئيا ثابتا في الدفاع عن المنهج النبوي وصيانة القيم الإسلامية من التحريف والانحراف ولم تنل منه عوامل الترهيب أو الإكراه ومن ثم فإن دلالة هذا الشعار لا تقتصر على سياقه التاريخي أو الجغرافي وإنما تتجاوز حدود الزمان والمكان لتغدو خطابا إنسانيا ذا أفق كوني، يستلهم منه الأحرار وطالبو الحق قيم العزة والكرامة ومناهضة الظلم في مختلف العصور والأمكنة
وتجسد شعار هيهات منا الذلة في الخطاب المقاوم المعاصر ولا سيما في مقاومة حزب الله في لبنان خلال مواجهته مع الكيان الصهيوني الغاشم حيث استلهمت قيم المقاومة و الصمود والثبات من النهضة الحسينية، وأصبح شعار هيهات منا الذلة حاضر في الخطاب التعبوي وفي وجدان المجاهدين كما أسهمت مجالس العزاء الحسيني ولا سيما سما ع مقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) بصوت الشيخ عبد الزهرة الكعبي عن طريق مكبرات الصوت في ترسيخ هذا الشعار بوصفه شعار للعزة والإباء، يتردد في مختلف المواقف التي تستدعي الثبات ورفض الخضوعوائار الرعب في صفوف جيش الكيان الصهيوني .
هيهات منا الذلة الخطاب الدلالي الكوني للعزة ومناهضة الظلم في العالم
هيهات منا الذلة الخطاب الدلالي الكوني للعزة ومناهضة الظلم في العالم
الأستاذ المساعد الدكتور حميد ابولول جبجاب
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد/ جامعة ميسان
لما عبأ ابن سعد أصحابه فأحاطوا بالحسين( عليه السلام) من كل جانب حتى جعلوه في مثل حلقة، خرج الحسين من أصحابه فأتاهم فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا فقال لهم: ويلكم! ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي! وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد! فتلاوم أصحاب عمر بن سعد، وقالوا: أنصتوا له، فقال في خطبة يوم عاشوراء : “…….. ” ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وخذلان الناصر……..”
تمثل سيرة أهل البيت عليهم السلام استمرار أصيلا للرسالة الإسلامية التي جاء بها نبي الرحمة محمد صل الله عليه وسلم إذ انطلقت مواقفهم وحركتهم من هدف رئيس يتمثل في صيانة مبادئ الإسلام والمحافظة على المنهج النبوي وترسيخ القيم التي أرساها الرسول في العدل والحق والكرامة الإنسانية ولم يكن دورهم معزول عن الرسالة المحمدية، بل جاء استمرارا لها في مواجهة مظاهر الانحراف التي هددت مقاصدها بما يضمن بقاء الإسلام محافظا على جوهره الأصيل وقيمه الأخلاقية والإنسانية.
وفي هذا الإطار، تعد نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) من أكثر الأحداث تأثيرا في التاريخ الإسلامي لما انطوى عليه من دلالات عقدية وأخلاقية وإنسانية عميقة الأمر الذي جعله محورا لعدد كبير من الدراسات التي تناولته من زوايا فكرية وتاريخية وحضارية متعددة ولم تعد واقعة عاشوراء تقرأ بوصفها حدثا تاريخيا فحسب، بل غدت مدرسة متكاملة ونموذجا خالدا يجسد قيم مقاومة الظلم ورفض الاستبداد والدفاع عن الكرامة الإنسانية على مر العصور ويأتي هذا الامتداد منسجما مع الرسالة المشتركة للأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، التي قامت على نصرة المظلوم ومواجهة الظالم وإعلاء قيم الحق والعدل وقد جسد الإمام الحسين ( عليه السلام) بوصفه الامتداد الشرعي لهذا النهج، هذه المبادئ في أسمى صورها وأكمل تجلياتها.
ومن هذا المنطلق، يعد الشعار التاريخي الذي أطلقه الإمام الحسين ( عليه السلام) يوم عاشوراء، هيهات منا الذله من أبرز التعبيرات التي تجسد فلسفة النهضة الحسينية وقيمها إذ اختزل في ألفاظه القليلة موقفا مبدئيا راسخا يقوم على صيانة الكرامة الإنسانية ورفض الخضوع للظلم ولم يكن هذا الشعار مجرد رد فعل آني على ظروف المواجهة بل جاء استجابة حاسمة للإنذار الذي وجهه عبيد الله بن زياد والقائم على المفاضلة بين البيعة أو الموت ليعلن رفضا قاطعا لكل أشكال الإذعان والإهانة.
وقد استند هذا الموقف إلى إيمان راسخ وتقوى عميقة وإرادة ثابتة تشكلت في ظل التربية الإلهية والفطرة الطاهرة التي لم تعرف المساومة على المبادئ ولم تقبل الخضوع للأدنياء أو الرضا بحياة الذل ومن هذا المنطلق لم يكن موقف الإمام الحسين (عليه السلام) خيارا سياسيا عابرا، بل كان تجسيدا عمليا لمنظومة قيمية وأخلاقية تستهدف حماية رسالة الإسلام وصيانة المنهج الذي أرساه الرسول محمد (ص)، والتأكيد أن العزة قيمة إلهية لا تنفصل عن الإيمان.
وينسجم هذا الخطاب انسجاما تاما مع الرؤية القرآنية التي تقصر العزة على الله تعالى ورسوله والمؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ (النساء: 139) وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8). وبهذا يغدو شعار هيهات منا الذلة امتدادا للمفهوم القرآني للعزة، وترجمة عملية له في مواجهة الانحراف والظلم وإعلانا دائما لرفض الخضوع لكل أشكال الاستبداد.
وختاماً فإن قيام الإمام الحسين (عليه السلام ) يجسد موقفا مبدئيا ثابتا في الدفاع عن المنهج النبوي وصيانة القيم الإسلامية من التحريف والانحراف ولم تنل منه عوامل الترهيب أو الإكراه ومن ثم فإن دلالة هذا الشعار لا تقتصر على سياقه التاريخي أو الجغرافي وإنما تتجاوز حدود الزمان والمكان لتغدو خطابا إنسانيا ذا أفق كوني، يستلهم منه الأحرار وطالبو الحق قيم العزة والكرامة ومناهضة الظلم في مختلف العصور والأمكنة
وتجسد شعار هيهات منا الذلة في الخطاب المقاوم المعاصر ولا سيما في مقاومة حزب الله في لبنان خلال مواجهته مع الكيان الصهيوني الغاشم حيث استلهمت قيم المقاومة و الصمود والثبات من النهضة الحسينية، وأصبح شعار هيهات منا الذلة حاضر في الخطاب التعبوي وفي وجدان المجاهدين كما أسهمت مجالس العزاء الحسيني ولا سيما سما ع مقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) بصوت الشيخ عبد الزهرة الكعبي عن طريق مكبرات الصوت في ترسيخ هذا الشعار بوصفه شعار للعزة والإباء، يتردد في مختلف المواقف التي تستدعي الثبات ورفض الخضوعوائار الرعب في صفوف جيش الكيان الصهيوني .
التعليقات