“سورةُ الخوفِ”

صورة الكاتب
بقلم: مهند آل لطيف
التاريخ: 6 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2466
“سورةُ الخوفِ”

سورةُ الخوفِ


مِنْ سُورةِ الخَوْفِ..
خَرَجْتُ أسْعَى، والرُّؤَى تَرْتَجِفُ
تُطَارِدُنِي ظِلالِي فِي المَسَارِبِ المُوحِشَةْ
أُلَمْلِمُ شَتَاتَ خُطَايَ مِنْ تَحْتِ نَعْلِ الغِيَابِ
كَأنَّ الأرضَ تَشْهَدُ صَمْتِيَ المُرَّ
تَكْتُمُ أنْفَاسَ الحِكَايَةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ.
أُقْدِمُ.. حَتَّى بَلَغْتُ أقَاصِيَ الرَّصِيفِ
حَيْثُ الوُجُوهُ مَرَايَا مُهَشَّمَةٌ
لا تَعْكِسُ إلا وُجُومَاً يَقْتَاتُ مِنْ بَقَايَا الكَلامِ
يُؤَسْلِمُ شَتَاتَ الرُّوحِ فِي غَسَقِ المَوَانِي.
جَلَسْتُ -بِحَذَرٍ- يَلْفَحُنِي قَيْظُ تَمُّوزَ
أُرَاقِبُ نَبْضَ المَدِينَةِ المَذْعُورَ
تَسْتَغِيثُ بِأَسْمَنْتِهَا المَيِّتِ، وَبَيَاضِ الجُدْرَانِ
كَطَائِرٍ جَرِيحٍ.. لا يَجِدُ سَمَاءً.
وَانْتَشَرَتْ عُيُونُ خَلِيفَتِنَا المَأْفُونِ
تَمْسَحُ أرْصِفَةَ الحُلْمِ بِالخَيْبَاتِ
تَقْتَلِعُ النُّورَ مِنْ حَدَقَاتِ الصِّغَارِ
وَتَزْرَعُ فِيهَا الرُّعْبَ
تُطَارِدُ فِي أَعْيُنِ المَارَّةِ بَقَايَا الأَمَانِي.
ذَلِكَ الَّذِي يُغْدِقُ فَوْقَنَا بَوْلَهُ كُلَّ يَوْمٍ
خَمْسَ مَرَّاتٍ.. بِفُجُورٍ لا يَعْرِفُ الخَجَلَ
يَسْتَبِيحُ عُقُولَنَا فِي مِحْرَابِ الجَهْلِ وَالمُدَاهَنَةِ
بِغَطْرَسَةٍ تُحَوِّلُ النَّهْرَ إلَى مُسْتَنْقَعِ عَجْزٍ
لِيُطَهِّرَنَا مِنْ دَنَسِ المَعْرِفَةِ.. وَرِجْسِ الحَقِيقَةِ.
نَحْنُ المَسْكُونُونَ بِأَسْئِلَةٍ لا تَمُوتُ
نَتَجَرَّعُ مُرَارَةَ الوَقْتِ فِي صَمْتٍ مُرِيبٍ
نَحْمِلُ رُؤُوسَنَا كَالقَنَادِيلِ فِي لَيْلِ القَمْعِ
نَرْتَقِبُ فَجْرَاً لا يَعْتَرِفُ بِخَرِيطَةِ الطُّغْيَانِ
نَنْتَظِرُ دَوِيَّ الرَّعْدِ فِي غَفْلَةِ الحُرَّاسِ.
فَمَا تَارِيخُنَا إلا ضَجِيجٌ مِنَ العَارِ وَالذُّلِّ وَالمَهَانَةِ
نَقْتَاتُ مِنْهُ الجُوعَ، وَالذِّكْرَيَاتِ المَرِيرَةَ
نَخِيطُ مِنْ تَمَزُّقِنَا كَفْنَاً لِلْمُسْتَقْبَلِ.
نَحْنُ الَّذِينَ خَرَجْنَا مِنْ تَارِيخِ الدَّمِ
إِلَى حَاضِرِ العَدَمِ
نَرْقُصُ عَلَى حَافَّةِ الهاوِيَةِ
نَكْتُبُ قَصَائِدَنَا بِمِدَادِ الجُرْحِ الغَائِرِ فِي الرُّوحِ
نُغَنِّي لِلرِّيحِ الَّتِي لا تَحْمِلُ صَدَىً.
فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَنَا -يَا صَدِيقِي- مَجْهُولٌ
يَسِيرُ نَحْوَنَا كَأَعْمَى فِي طَرِيقٍ بَلا نِهَايَةٍ
يَقْتَفِي أثَرَ الخُطُوَاتِ الَّتِي ضَاعَتْ فِي مَتَاهَاتِ الزَّمَنِ العَقِيمِ.
فَهَلْ مِنْ صَرْخَةٍ تُعِيدُ لِلَّيْلِ مَعْنَاهُ المَسْرُوق؟
لا تَلْتَفِتْ.. فَالطَّرِيقُ خَلْفَنَا قَدِ انْمَحَتْ
وَالأبْوَابُ الَّتِي طَرَقْنَاهَا.. صَارَتْ قُبُوراً لِلصَّدَى.
سَنَمْضِي، نُرَاكِمُ الأسَى فَوْقَ أَكْتَافِ الغَدِ
نَمُوتُ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ..
وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ حَيَاةً.. تَلِيقُ بِوَجَعِنَا الَّذِي لا يَنْتَهِي

 

عن الکاتب / الکاتبة

مهند آل لطيف
مهند آل لطيف
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“أسئلة”

“أسئلة”

أسئلة أسئلة تراودني صورٌ قاسيةٌ حزينة، كجيشٍ عرمرمٍ يجتاحُ سراديبَ مخيلتي على مدارِ الثواني. تُخيّمُ…

صورة الكاتب مهند آل لطيف
14 يوليو 2026
اقرأ المزيد
“مَلِكُ الحُبِّ”

“مَلِكُ الحُبِّ”

“مَلِكُ الحُبِّ” أنا مَلِكُ الملوكِ يا سيّدتي أتوجُ نفسي على عرشِ العاشقينْ وأكتبُ تاريخي بمدادِ…

صورة الكاتب مهند آل لطيف
19 مايو 2026
اقرأ المزيد
“خارطة الرماد والولادة”

“خارطة الرماد والولادة”

خارطة الرماد والولادة ماذا أفعلُ؟ والأفقُ يضيقُ بي كخاتمٍ صَدِئٍ.. والزمنُ ينهشُ ما استبقى من…

صورة الكاتب مهند آل لطيف
29 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“سورةُ الخوفِ”

بقلم: مهند آل لطيف | التاريخ: 6 يونيو 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

سورةُ الخوفِ


مِنْ سُورةِ الخَوْفِ..
خَرَجْتُ أسْعَى، والرُّؤَى تَرْتَجِفُ
تُطَارِدُنِي ظِلالِي فِي المَسَارِبِ المُوحِشَةْ
أُلَمْلِمُ شَتَاتَ خُطَايَ مِنْ تَحْتِ نَعْلِ الغِيَابِ
كَأنَّ الأرضَ تَشْهَدُ صَمْتِيَ المُرَّ
تَكْتُمُ أنْفَاسَ الحِكَايَةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ.
أُقْدِمُ.. حَتَّى بَلَغْتُ أقَاصِيَ الرَّصِيفِ
حَيْثُ الوُجُوهُ مَرَايَا مُهَشَّمَةٌ
لا تَعْكِسُ إلا وُجُومَاً يَقْتَاتُ مِنْ بَقَايَا الكَلامِ
يُؤَسْلِمُ شَتَاتَ الرُّوحِ فِي غَسَقِ المَوَانِي.
جَلَسْتُ -بِحَذَرٍ- يَلْفَحُنِي قَيْظُ تَمُّوزَ
أُرَاقِبُ نَبْضَ المَدِينَةِ المَذْعُورَ
تَسْتَغِيثُ بِأَسْمَنْتِهَا المَيِّتِ، وَبَيَاضِ الجُدْرَانِ
كَطَائِرٍ جَرِيحٍ.. لا يَجِدُ سَمَاءً.
وَانْتَشَرَتْ عُيُونُ خَلِيفَتِنَا المَأْفُونِ
تَمْسَحُ أرْصِفَةَ الحُلْمِ بِالخَيْبَاتِ
تَقْتَلِعُ النُّورَ مِنْ حَدَقَاتِ الصِّغَارِ
وَتَزْرَعُ فِيهَا الرُّعْبَ
تُطَارِدُ فِي أَعْيُنِ المَارَّةِ بَقَايَا الأَمَانِي.
ذَلِكَ الَّذِي يُغْدِقُ فَوْقَنَا بَوْلَهُ كُلَّ يَوْمٍ
خَمْسَ مَرَّاتٍ.. بِفُجُورٍ لا يَعْرِفُ الخَجَلَ
يَسْتَبِيحُ عُقُولَنَا فِي مِحْرَابِ الجَهْلِ وَالمُدَاهَنَةِ
بِغَطْرَسَةٍ تُحَوِّلُ النَّهْرَ إلَى مُسْتَنْقَعِ عَجْزٍ
لِيُطَهِّرَنَا مِنْ دَنَسِ المَعْرِفَةِ.. وَرِجْسِ الحَقِيقَةِ.
نَحْنُ المَسْكُونُونَ بِأَسْئِلَةٍ لا تَمُوتُ
نَتَجَرَّعُ مُرَارَةَ الوَقْتِ فِي صَمْتٍ مُرِيبٍ
نَحْمِلُ رُؤُوسَنَا كَالقَنَادِيلِ فِي لَيْلِ القَمْعِ
نَرْتَقِبُ فَجْرَاً لا يَعْتَرِفُ بِخَرِيطَةِ الطُّغْيَانِ
نَنْتَظِرُ دَوِيَّ الرَّعْدِ فِي غَفْلَةِ الحُرَّاسِ.
فَمَا تَارِيخُنَا إلا ضَجِيجٌ مِنَ العَارِ وَالذُّلِّ وَالمَهَانَةِ
نَقْتَاتُ مِنْهُ الجُوعَ، وَالذِّكْرَيَاتِ المَرِيرَةَ
نَخِيطُ مِنْ تَمَزُّقِنَا كَفْنَاً لِلْمُسْتَقْبَلِ.
نَحْنُ الَّذِينَ خَرَجْنَا مِنْ تَارِيخِ الدَّمِ
إِلَى حَاضِرِ العَدَمِ
نَرْقُصُ عَلَى حَافَّةِ الهاوِيَةِ
نَكْتُبُ قَصَائِدَنَا بِمِدَادِ الجُرْحِ الغَائِرِ فِي الرُّوحِ
نُغَنِّي لِلرِّيحِ الَّتِي لا تَحْمِلُ صَدَىً.
فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَنَا -يَا صَدِيقِي- مَجْهُولٌ
يَسِيرُ نَحْوَنَا كَأَعْمَى فِي طَرِيقٍ بَلا نِهَايَةٍ
يَقْتَفِي أثَرَ الخُطُوَاتِ الَّتِي ضَاعَتْ فِي مَتَاهَاتِ الزَّمَنِ العَقِيمِ.
فَهَلْ مِنْ صَرْخَةٍ تُعِيدُ لِلَّيْلِ مَعْنَاهُ المَسْرُوق؟
لا تَلْتَفِتْ.. فَالطَّرِيقُ خَلْفَنَا قَدِ انْمَحَتْ
وَالأبْوَابُ الَّتِي طَرَقْنَاهَا.. صَارَتْ قُبُوراً لِلصَّدَى.
سَنَمْضِي، نُرَاكِمُ الأسَى فَوْقَ أَكْتَافِ الغَدِ
نَمُوتُ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ..
وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ حَيَاةً.. تَلِيقُ بِوَجَعِنَا الَّذِي لا يَنْتَهِي