الأعمى
علا الصخب في قاعة الدرس.
زاد الهرج عن الحد المحتمل في مثل هذا المكان المحترم.
نقر الأستاذ على الطاولة نقرات مسموعة متتابعة دلّت على غضبه.
وهو قليلاً ما يغضب.
وإن حدث وغضب فإن الأمر بات غير محتمل .
أستاذ العربية هذا الذي يدرسنا من نوعية مختلفة من البشر .
راودتني نفسي كثيراً أن أتحدث عنه.
لكنني كنت أرى أن الأوان لم يأنِ بعد.
متميز كثيراً ،ومن أسباب تميزه:
الفصاحة التي لا يدانيه فيها أستاذ مهما عظم.
وصوته ونبرته يدلانك على هذه الفصاحة حتى وإن كنت خارج أسوار المدرسة.
عندما كان يسترسل في درسه يتجمع أبناء الصفوف الأخرى منصتين إلى أستاذ نور ودرسه ،وهو يلقي درسه غير عابئ بالصفوف الأخرى وما يحدثه صوته من إزعاج.
وأكثر ما تجد أستاذنا منفعلاً عندما يأتي على ذكر بشار بن برد أو أبي العلاء المعري.
وهذا سبب آخر يجعل أستاذنا متميزاً..
فهو أكمه لم ير من الحياة شيئاً.
عاش هكذا لا يرى إلا ما يفكر به من علم.
ولا يحس إلا الذي يضع له تصوراً يحسه بالكلمة لا الصورة.
و إذا تطرق إلى العمى عند أحد الأدباء تجده يدافع بحماس لا يفتر عنه.
ويغفر أخطاءه التي لا تُقبل من غيره عند أستاذنا.
والمفارقة التي تكمن في أستاذنا الذي أطلق عليه والده اسم- نور ـولعه الشديد بالتاريخ أكثر من الأدب .
فما إن يدخل قاعة الدرس حتى يجلس على كرسيه .
يضع كفيه على ساقيه.
ثم يبدأ بسرد القصص التي لا تنتهي .
يبدأ بذكر المعري وقصته مع الشريف المرتضى.
وقد رددها على مسامعنا أكثر من مئة مرة، مباهياً بذكاء المعري الذي عوّضه عن فقدان البصر.
يتحدث ولا يمل الحديث.
ولا أريد أن أذكر ما كنا نفعل في تلك الأثناء ،حتى لايذهب الظن بعيداً..
لكن على كل حال كنا نمارس أعمال الشيطنة الصبيانية .
وقد يندُّ عن أحدنا ضحكة فينتبه الأستاذ ،ويعدّل من جلسته،ويطلق تهديداً بسيطاً في مظهره،يتلخص في أنه سيحرمنا من سماع هذه القصص إن نحن لم ننتبه وننصت.ولا أكتم أن تهديده هذا الذي كان يختلط بالرجاء والتوسل كان يخيفنا .
فأستاذنا كتاب لاينضب من التجارب والحكم في هذه الحياة .
وحافظة عظيمة استوعبت الماضي وقتلته فهماً.
وها هي ذي تعيده إلينا بالطريقة التي تناسبنا نحن.
فتح أحد الطلاب المذياع.
ووسط الصمت الذي يسود القاعة.
والأستاذ يلقي علينا قصة زبطرة .
دوّى صوت المذياع عالياً.
والمذيع ينقل الأخبار:
-القتال ما يزال مستمراً ،والجنود المتحاربون لم يكتفوا بأنواع القتال والتعذيب بل لجؤوا إلى وسائل متنوعة يعرفون أهمتيها .
إنهم يغتصبون الفتيات أمام أهليهن.
وربما طلبوا من أبيها أن يضاجعها تحت قوة السلاح ،وفي السوق العامة ،على مرائ من رجال الإعلام الذين أخذو بالتقاط الصور التذكارية لهذه الحالات الفريدة .
أغمض الأستاذ نور عينيه فوق إطباقهما .
توجه ينظره نحو السقف
بدأ يخاطب طائراً خارج القاعة .
أو يناجي إلهاً خارج حدود الزمان والمكان:
لقد أهانها ذلك الأعجمي ،فلم تجد بُداً من أن تستنجد، فأطلقت صرختها.
-وامعتصماه-
ولمّا وصل الخبر إلى مسامع المعتصم قرر أن ينتقم لها وأن يلبي نداءها المفجوع.
آه يا أبنائي.
اجتمع السادة والمنجمون في قصر المعتصم.
حاولوا ثنيه عن عزمه.
لكن الأمر سار كما أراد المعتصم..
عاد الهرج إلى قاعة الدرس من جديد .
صوت المذيع يمتزج يموسيقى شارة البرنامج الراقصة!.
سأل المذيع أحد المفتين الذي يستضيفه:
-ما حكم الشرع في إسقاط الجنين إن حملته أمه نتيجة عملية اغتصاب جماعية؟!
بدأ المفتي بذكر الحكم الشرعي الإفتائي.
الأستاذ ينقر على الطاولة الخشبية بعنف لم أسمع مثله من قبل ،حتى غطى على صوت المذيع .
رفع رأسه عالياً.
دموعه تشد رأسه إلى أدنى .
إباؤه يرفع الرأس.
والأستاذ نور يصرخ بصوت مسموع:
لا
لقد انتصر لها،لقد انتصر لها…المعتصم .
لقد انتصرت لها بغداد
عدنان لفتة السماوي
أبو الحسنين الدعساوي
داود سلمان عجاج
التعليقات