مقصلة العادات
في تلك البلدة التي لا تسمع فيها سوى زقزقة العصافير وصوت المعاول كانت حياة المراة مرسومة قبل ان تولد يد تغرس في الحقل واخرى تكنس الدار وصوت يختنق خلف حدود الحناجر كنت طفلة تظن ان العالم ينتهي عند حدود مزرعة ابي وان الزواج ليس الا ثوبا ناصعا وموسيقى تزفنا نحو البهجة
ولم اكن اعلم ان خلف تلك الموسيقى صفقات تعقد في جلسات الرجال يقرر فيها مصيري بكلمة تم وبنفخة تبغ من افواه لا تدرك ملامح احلامي تزوجت وانا احتضن في خيالي عروستي القماشية التي صنعتها لي امي من بقايا ثوب قديم انتقلت من حضن الحنان الى بيت بارد والى رجل اكبر مني سنا هناك سقط القناع سريعا فلم اكن زوجة بل كنت الة عمل لا تملك حق المشورة
في ليلة سكنها صمت ثقيل وبعد يوم من الكد في الحقول
في ليلة سكنها صمت ثقيل وبعد يوم شاق من الكد في الحقول اقتربت منه اجر خطاي المتعبة لاضع امامه طبق العشا كان الصمت ينهش روحي فقررت ان اكسر القيد ولو لمرة واحدة قلت له بصوت خفيض يحاول استجماع شتاته
الى متى سنعيش هكذا اعمل كخادمة ولا راي لي في شي اريد ان اشعر انني انسانة لي حق الاختيار في حياتنا
توقف عن الاكل فجاة ورمى الرغيف من يده ثم التفت الي وعروق رقبته بارزة من الغضب وصاح بصوت هز اركان البيت
من انت لكي تتكلمين معي مجرد امراة رضيت ان اتزوجك وغيرك كثيرات لقد دخلت داري لتكوني ظلا لرجولتي لا لتقفي ندا لي في عرفنا المراة صمتها سترها وكلامها عار ومن ترفع عينها في وجه زوجها لا تستحق البقا تحت سقفه نحن لا نشتري النسا لنتشاور معهن بل لنحفظ بهن الانساب ونعمر بهن البيوت
نظرت اليه بجمود وقد انكسر اخر خيط كان يربطني بهذا المكان وقلت له بكلمة واحدة هزت جبروته
اذن قلها ولا تبتس فالخروج من هذا الباب بالخسارة هو اول فوز حقيقي لي
قلت له وانا استجمع شتات نفسي
في وحدتي بعد ذلك كنت استعيد ذكرى امي يدها الخشنة كجذع نخلة هرمت في بستان شققتها الحقول واتعبها كد السنين لكنها على راسي كانت ارق من الحرير كنت اتسال كيف لامراة تملك كل هذا الحنان ان تعيش في عالم يغتال رايها وكيف لي ان استمر في حياة اعامل فيها كخادمة بينما قلبي يتضور جوعا لكرامة الاختيار
انتهت الحكاية بكلمة واحدة عدت بعدها الى دار اهلي احمل لقبا ينهش في سمعة النسا في بلدي قبل عامين فقط كنت اركض في فناء الدار احتضن دميتي المحشوة بالقش اضحك للدنيا وتضحك لي واليوم انظر في المراة فارى امراة هزمتها قرارات لم تشارك فيها لكنها استردت وجهها اخيرا
انا اليوم لست مجرد مطلقة انا الناجية الوحيدة من حكم بالاعدام النفسي
رحلت ولم اصمت لكي لا يطوى قيد الصغيرات كما طوي قيدي صرخت في وجه تلك المقصلة لعلي اوقف النصل قبل ان يصل الى اعناق الحالمات بعدي
انا اليوم لست ناجية فحسب بل انا الصوت الذي ابى ان يدفن حيا لعل طفلة واحدة في قريتي تنجو بسببي وتقول للظلم لا
داود سلمان عجاج
اسماعيل آلرجب
التعليقات