تأملات في الفكر والمجتمع

صورة الكاتب
بقلم: نهاد الزركاني
التاريخ: 3 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2442
تأملات في الفكر والمجتمع

تأملات في الفكر والمجتمع

الحكيم… لماذا أصبح المجتمع بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى؟
كل أمة تمتلك العلماء وكل مؤسسة تمتلك الخبراء وكل عصر يمتلك المتحدثين. لكن الأمم لا تستقر بكثرة هؤلاء وحدهم وإنما تحتاج إلى فئة أقل عددًا وأكثر أثرًا… إنها فئة الحكماء.
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الحكمة بوصفها فضيلة شخصية يمدح بها إنسان أو يُثنى بها على شيخ كبير. غير أن هذا الفهم على أهميته، يحجب عنا حقيقتها الكبرى فالحكمة ليست صفة فردية فحسب بل هي ركيزة من ركائز بناء المجتمع.
إن الأزمة التي يعيشها عالمنا اليوم ليست أزمة نقص في المعلومات. فنحن نعيش عصرًا لم يكن الوصول فيه إلى المعرفة أسهل مما هو عليه الآن. ومع ذلك، تتزايد (الخلافات)و(تتسع الانقسامات)و(تكثر القرارات المتسرعة) و(يعلو الانفعال على التفكير)
وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كانت المعرفة متوفرة فلماذا تتعاظم الأزمات؟
لأن المعرفة وحدها لا تكفي.
فالعلم يعلمنا كيف نبني الجسور أما الحكمة فتعلمنا (لماذا نبنيها) و(لمن نبنيها) و(متى يكون بناؤها خيرًا للمجتمع). والعلم يمنح الإنسان القوة أما الحكمة فتمنحه القدرة على توجيه تلك القوة نحو الخير العام.
ومن هنا يبدأ نقدنا لواقعنا.
لقد انشغلنا بتخريج أصحاب الشهادات ولم ننشغل بالقدر نفسه بتربية أصحاب البصيرة. فأصبح النجاح يُقاس بما يحمله الإنسان من معلومات لا بما يحمله من وعي ومسؤولية. وصار كثير من الناس يجيدون الحديث، لكن قليلًا منهم يجيدون الإصغاء. وكثرت الآراء بينما تراجعت الحكمة التي تنظم اختلافها.
إن هذا الخلل ليس مسؤولية الفرد وحده بل هو نتيجة ((ثقافة اجتماعية كاملة)). فالأسرة التي( لا تعلم أبناءها الحوار) و(المدرسة التي تجعل الحفظ بديلًا عن التفكير) و(الإعلام الذي يفضل الإثارة على الوعي) كلها تشارك _بقصد أو بغير قصد _ في إضعاف حضور الحكمة داخل المجتمع.
لكن النقد، إذا توقف عند كشف الخلل بقي ناقصًا.
لذلك فإن الفكرة التي ندعو إليها ليست البحث عن حكيم نلتقيه، بل صناعة بيئة تُنتج الحكماء.
يبدأ ذلك من أسرة تُربي على احترام الرأي الآخر ومدرسة تُعلم التفكير قبل الإجابة وجامعة تجعل السؤال فضيلة لا تهمة وإعلام يرى أن رسالته بناء الوعي قبل صناعة الجدل. فالحكمة لا تولد فجأة وإنما تنمو داخل بيئة تؤمن بالحوار وتحتفي بالعقل، وتحترم الإنسان.
الفكرة المؤسسة
الحكمة ليست موهبة نادر بل ثقافة مجتمعية. فإذا أحسن المجتمع صناعة بيئته التربوية والثقافية، صنع حكماءه بنفسه.
فكرة للمستقبل
قد يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في السنوات القادمة ليس: كيف نزيد عدد المتعلمين؟ فهذا هدف لا غنى عنه وإنما: كيف نجعل التعليم يصنع إنسانًا حكيمًا لا إنسانًا يحمل شهادة فقط؟
فحين يصبح بناء الحكمة هدفًا وطنيًا وثقافيًا سنكتشف أن كثيرًا من الأزمات التي نعالجها بالقوانين كان يمكن الوقاية منها بالتربية وأن كثيرًا من الخلافات التي أنهكت المجتمع كان يمكن أن يحسمها صوت الحكمة قبل أن تصل إلى ساحات الصراع.

عن الکاتب / الکاتبة

نهاد الزركاني
نهاد الزركاني
باحث وكاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

الحسين عليه السلام: ليس قضية ماضٍ… بل مشروع وعي دائم

الحسين عليه السلام: ليس قضية ماضٍ… بل مشروع وعي دائم

الحسين عليه السلام: ليس قضية ماضٍ… بل مشروع وعي دائم لا أحب الدخول في سجال…

صورة الكاتب نهاد الزركاني
28 يونيو 2026
اقرأ المزيد
الإمام الحسين ورؤية المستقبل: قراءة استراتيجية في مشروع كربلاء

الإمام الحسين ورؤية المستقبل: قراءة استراتيجية في مشروع كربلاء

الإمام الحسين ورؤية المستقبل: قراءة استراتيجية في مشروع كربلاء عندما يُذكر الإمام الحسين عليه السلام…

صورة الكاتب نهاد الزركاني
20 يونيو 2026
اقرأ المزيد
لا تقتل نفسك بالكلمات: نقد الذات بين الحقيقة والزيف

لا تقتل نفسك بالكلمات: نقد الذات بين الحقيقة والزيف

لا تقتل نفسك بالكلمات: نقد الذات بين الحقيقة والزيف   لم يعد خطاب ((لا تتحدث…

صورة الكاتب نهاد الزركاني
6 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تأملات في الفكر والمجتمع

بقلم: نهاد الزركاني | التاريخ: 3 يوليو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

تأملات في الفكر والمجتمع

الحكيم… لماذا أصبح المجتمع بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى؟
كل أمة تمتلك العلماء وكل مؤسسة تمتلك الخبراء وكل عصر يمتلك المتحدثين. لكن الأمم لا تستقر بكثرة هؤلاء وحدهم وإنما تحتاج إلى فئة أقل عددًا وأكثر أثرًا… إنها فئة الحكماء.
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الحكمة بوصفها فضيلة شخصية يمدح بها إنسان أو يُثنى بها على شيخ كبير. غير أن هذا الفهم على أهميته، يحجب عنا حقيقتها الكبرى فالحكمة ليست صفة فردية فحسب بل هي ركيزة من ركائز بناء المجتمع.
إن الأزمة التي يعيشها عالمنا اليوم ليست أزمة نقص في المعلومات. فنحن نعيش عصرًا لم يكن الوصول فيه إلى المعرفة أسهل مما هو عليه الآن. ومع ذلك، تتزايد (الخلافات)و(تتسع الانقسامات)و(تكثر القرارات المتسرعة) و(يعلو الانفعال على التفكير)
وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كانت المعرفة متوفرة فلماذا تتعاظم الأزمات؟
لأن المعرفة وحدها لا تكفي.
فالعلم يعلمنا كيف نبني الجسور أما الحكمة فتعلمنا (لماذا نبنيها) و(لمن نبنيها) و(متى يكون بناؤها خيرًا للمجتمع). والعلم يمنح الإنسان القوة أما الحكمة فتمنحه القدرة على توجيه تلك القوة نحو الخير العام.
ومن هنا يبدأ نقدنا لواقعنا.
لقد انشغلنا بتخريج أصحاب الشهادات ولم ننشغل بالقدر نفسه بتربية أصحاب البصيرة. فأصبح النجاح يُقاس بما يحمله الإنسان من معلومات لا بما يحمله من وعي ومسؤولية. وصار كثير من الناس يجيدون الحديث، لكن قليلًا منهم يجيدون الإصغاء. وكثرت الآراء بينما تراجعت الحكمة التي تنظم اختلافها.
إن هذا الخلل ليس مسؤولية الفرد وحده بل هو نتيجة ((ثقافة اجتماعية كاملة)). فالأسرة التي( لا تعلم أبناءها الحوار) و(المدرسة التي تجعل الحفظ بديلًا عن التفكير) و(الإعلام الذي يفضل الإثارة على الوعي) كلها تشارك _بقصد أو بغير قصد _ في إضعاف حضور الحكمة داخل المجتمع.
لكن النقد، إذا توقف عند كشف الخلل بقي ناقصًا.
لذلك فإن الفكرة التي ندعو إليها ليست البحث عن حكيم نلتقيه، بل صناعة بيئة تُنتج الحكماء.
يبدأ ذلك من أسرة تُربي على احترام الرأي الآخر ومدرسة تُعلم التفكير قبل الإجابة وجامعة تجعل السؤال فضيلة لا تهمة وإعلام يرى أن رسالته بناء الوعي قبل صناعة الجدل. فالحكمة لا تولد فجأة وإنما تنمو داخل بيئة تؤمن بالحوار وتحتفي بالعقل، وتحترم الإنسان.
الفكرة المؤسسة
الحكمة ليست موهبة نادر بل ثقافة مجتمعية. فإذا أحسن المجتمع صناعة بيئته التربوية والثقافية، صنع حكماءه بنفسه.
فكرة للمستقبل
قد يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في السنوات القادمة ليس: كيف نزيد عدد المتعلمين؟ فهذا هدف لا غنى عنه وإنما: كيف نجعل التعليم يصنع إنسانًا حكيمًا لا إنسانًا يحمل شهادة فقط؟
فحين يصبح بناء الحكمة هدفًا وطنيًا وثقافيًا سنكتشف أن كثيرًا من الأزمات التي نعالجها بالقوانين كان يمكن الوقاية منها بالتربية وأن كثيرًا من الخلافات التي أنهكت المجتمع كان يمكن أن يحسمها صوت الحكمة قبل أن تصل إلى ساحات الصراع.