“لا أذكر”

صورة الكاتب
بقلم: أسماء حسن عبدالمنعم
التاريخ: 5 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 1465
“لا أذكر”

لا أذكر أنني تعرفت إلى الحسين
فالذين يسكنون الروح لا يأتون من باب التعارف
يولدون فيها كما يولد الضوء في العين
وكما يولد الشوق في الطيور قبل أن ترى الجهات
أحسب أن قلبي كان يعرف اسمه يوم كان مجرد نبضة في علم الله
وأن روحي مرت بكربلاء قبل أن تمر بالدنيا
لهذا كلما حاولت أن أفتش عن أول الطريق
وجدتني أقف عند آخر الدمع
كأن البداية كانت دائما هناك
حيث يتوضأ التراب بالسماء
وحيث يخلع الزمن ساعاته
ليحسب عمره بقطرات الدم
كنت صغيرا
لكن داخلي كان أقدم من عمري
كان كلما سمع اسم الحسين
ارتجفت فيه نافذة لا تطل على مكان
بل على معنى
وأرى في أعماقي حصانا من نور يعبر السنين
ولا يصل
لأن الوصول إليه بداية سفر آخر
كبرت
وكنت كلما ازدادت الدنيا ازدحاما
ازداد هو اتساعا
حتى صار قلبي أضيق من أن يحتويه
وأوسع من أن يحتوي غيره
وصرت كلما نظرت إلى هذا العالم
أراه واقفا بين كفتين
في كفة ذهب الملوك وسيوفهم
وفي الكفة الأخرى قطرة دم من الحسين
فتميل الدنيا كلها إلى تلك القطرة
كأن الله وضع فيها ميزان الحقيقة
لم تكن كربلاء معركة
كانت اللحظة التي استردت فيها السماء لغتها
بعد أن أضاعتها الأرض
وكانت الدماء تكتب على صفحة الوجود
أن الإنسان لا يقاس بعدد أنفاسه
بل بعدد القيم التي يحرسها وهو يودع أنفاسه الأخيرة
هناك
كان الموت يمشي حافيا
لأنه خجل أن ينتعل طريقا مر عليه الحسين
وكانت الريح تحمل رؤوس السنابل إلى جهة واحدة
كأن الحقول أيضا كانت تنحني
إذا مر اسمه
أما أنا
فكلما ضاق بي العالم
دخلت إلى اسمه
فإذا المنافي تتسع حتى تصير أوطانا
وإذا الليل يلين كأنه كتف أم
وإذا القلب الذي أثقلته الخسارات
ينهض من بين أنقاضه
وفي يده قنديل لا ينطفئ
سيقولون إن الحسين مضى
وأقول
وكيف يمضي من جعل الزمن يسير خلفه
وكيف يغيب من ترك في كل قلب حر نافذة تطل على الله
الحسين ليس رجلا عبر التاريخ
بل هو التاريخ حين استعاد روحه
وليس شهيدا مضى
بل هو الحياة
كلما أراد الموت أن يتوهم انتصاره

عن الکاتب / الکاتبة

أسماء حسن عبدالمنعم
أسماء حسن عبدالمنعم
شاعرة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“يا سنا الطف”

“يا سنا الطف”

يا سنا الطف يا سنا الطف يا نور الوفاءِ إذا … عم الظلام وضاقت كربلا…

صورة الكاتب أسماء حسن عبدالمنعم
28 يونيو 2026
اقرأ المزيد
“لم تكن رقيه”

“لم تكن رقيه”

لم تكن رقيه   في الشلال لم تكن رقيه تعرف ان الماء ذلك الذي يعلق…

صورة الكاتب أسماء حسن عبدالمنعم
21 يونيو 2026
اقرأ المزيد
“منذ أن شقَّ الفجرُ”

“منذ أن شقَّ الفجرُ”

منذ أن شقَّ الفجرُ   أنا منذ أن شقَّ الفجرُ عباءةَ الليل لم أعد كما…

صورة الكاتب أسماء حسن عبدالمنعم
11 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“لا أذكر”

بقلم: أسماء حسن عبدالمنعم | التاريخ: 5 يوليو 2026

التصنيف: الشعر

لا أذكر أنني تعرفت إلى الحسين
فالذين يسكنون الروح لا يأتون من باب التعارف
يولدون فيها كما يولد الضوء في العين
وكما يولد الشوق في الطيور قبل أن ترى الجهات
أحسب أن قلبي كان يعرف اسمه يوم كان مجرد نبضة في علم الله
وأن روحي مرت بكربلاء قبل أن تمر بالدنيا
لهذا كلما حاولت أن أفتش عن أول الطريق
وجدتني أقف عند آخر الدمع
كأن البداية كانت دائما هناك
حيث يتوضأ التراب بالسماء
وحيث يخلع الزمن ساعاته
ليحسب عمره بقطرات الدم
كنت صغيرا
لكن داخلي كان أقدم من عمري
كان كلما سمع اسم الحسين
ارتجفت فيه نافذة لا تطل على مكان
بل على معنى
وأرى في أعماقي حصانا من نور يعبر السنين
ولا يصل
لأن الوصول إليه بداية سفر آخر
كبرت
وكنت كلما ازدادت الدنيا ازدحاما
ازداد هو اتساعا
حتى صار قلبي أضيق من أن يحتويه
وأوسع من أن يحتوي غيره
وصرت كلما نظرت إلى هذا العالم
أراه واقفا بين كفتين
في كفة ذهب الملوك وسيوفهم
وفي الكفة الأخرى قطرة دم من الحسين
فتميل الدنيا كلها إلى تلك القطرة
كأن الله وضع فيها ميزان الحقيقة
لم تكن كربلاء معركة
كانت اللحظة التي استردت فيها السماء لغتها
بعد أن أضاعتها الأرض
وكانت الدماء تكتب على صفحة الوجود
أن الإنسان لا يقاس بعدد أنفاسه
بل بعدد القيم التي يحرسها وهو يودع أنفاسه الأخيرة
هناك
كان الموت يمشي حافيا
لأنه خجل أن ينتعل طريقا مر عليه الحسين
وكانت الريح تحمل رؤوس السنابل إلى جهة واحدة
كأن الحقول أيضا كانت تنحني
إذا مر اسمه
أما أنا
فكلما ضاق بي العالم
دخلت إلى اسمه
فإذا المنافي تتسع حتى تصير أوطانا
وإذا الليل يلين كأنه كتف أم
وإذا القلب الذي أثقلته الخسارات
ينهض من بين أنقاضه
وفي يده قنديل لا ينطفئ
سيقولون إن الحسين مضى
وأقول
وكيف يمضي من جعل الزمن يسير خلفه
وكيف يغيب من ترك في كل قلب حر نافذة تطل على الله
الحسين ليس رجلا عبر التاريخ
بل هو التاريخ حين استعاد روحه
وليس شهيدا مضى
بل هو الحياة
كلما أراد الموت أن يتوهم انتصاره