حين نتأمل المشهد الغيناسيقي العراقي نجد أنفسنا أمام مفارقة لافتة ، فالعراق الذي قدم عبر تاريخه أحد أكثر الموروثات الموسيقية ثراء” في العالم العربي ، ما يزال يفتقر إلى حركة نقدية موسيقية توازي هذا الثراء ، فمن المقام العراقي إلى الأغنية الحديثة ، ومن التجارب الأكاديمية إلى المبادرات الشبابية ، تتواصل عملية الإنتاج والإبداع ، بينما يظل النقد الموسيقي حاضرا” على استحياء ، أو غائبا” عن المشهد الثقافي بوصفه ممارسة معرفية وجمالية مستقلة . هذه المفارقة تثير أسئلة مشروعة ، لماذا يغيب النقد الموسيقي العراقي ؟ ولماذا يندر أن نجد ناقدا” موسيقيا” يتابع النتاجات الموسيقية واللحنية كما يتابع الناقد المسرحي أو السينمائي أو التشكيلي أعمال المسرح والسينما والتشكيل ، إن الإجابة لا تكمن في ضعف الموسيقى ، بل في طبيعة الخطاب الثقافي الذي أحاط بها ، وفي جملة من الإشكاليات المعرفية والمؤسساتية التي جعلت النقد الموسيقي أقل الفنون حضورا” وتأثير ومنها
أولا” ــ تعقيد اللغة الموسيقية : تختلف الموسيقى عن بقية الفنون في أن مادتها الأساسية ليست الكلمة ولا الصورة ، وإنما الصوت المنظم وفق قوانين دقيقة ، ولذلك فإن قراءة العمل الغيناسيقي تتطلب معرفة بالمقامات ، والإيقاعات ، والبناء اللحني ، والهارموني ، والتوزيع ، والأداء ، وجماليات اللحن ، ومساراته التعبيرية ، وعلاقته بالنص ، وأثره في تشكيل الوجدان ، وهي معارف مهمة في كتابة النقد الموسيقي
ثانيا” ــ إن أزمة النقد الموسيقي العراقي ليست أزمة أفراد بقدر ماهي أزمة خطاب ، فما يكتب عن الموسيقى في كثير من الأحيان يظل أقرب إلى الانطباعات ، بينما تندر الدراسات التي تتناول الأعمال الغيناسيقية بمنهج تحليلي وجمالي ، وتعود هذه الأزمة إلى عوامل متعددة ، من بينها ضعف حضور النقد الموسيقي في المؤسسات الثقافية ، وقلة المجلات المتخصصة ، وندرة الكتب التي تؤسس لنظرية نقدية موسيقية ،
ثالثا” ــ الحساسية اتجاه النقد : من الإشكاليات التي تواجه النقد الموسيقي أن الفنانين كثيرا” ما يتعاملون مع أية ملاحظة نقدية بوصفها انتقاصا” من القيمة الفنية ، لا بوصفها حوارا” معرفيا” ، وهذا المناخ جعل من يكتب بالنقد الموسيقي يتجه نحو كتابة النقد التاريخي و يبتعد عن النقد التحليلي ، تجنبا” لسوء الفهم
رابعا” ــ الحاجة إلى خطاب نقدي جمالي جديد : إن الموسيقى العراقية اليوم بحاجة إلى نقد يتجاوز الأحكام الانطباعية ، ويتجه نحو قراءة البنية اللحنية ، والفضاء التعبيري ، وسيمياء الأداء ، والعلاقة بين الصوت والمتلقي ، والبعد الفلسفي للموسيقى ، فالنقد الموسيقي لا ينبغي أن يكتفي بوصف العمل ، بل أن يكشف عن قوانينه الجمالية ، وآليات تأثيره على المستمع ، وكيفية إنتاجه للمعنى والانفعال .
إن غياب النقد الموسيقي ينعكس على الموسيقى نفسها ، فالإبداع يحتاج دائما” إلى عين تقرأه وتفسره وتناقشه ، والنقد الجاد لا يقف في مواجهة الفنان ، بل يفتح أمامه آفاقا” جديدة للتطوير ، ويمنح الجمهور أدوات لفهم العمل الموسيقي بعيدا” عن الانطباعات السريعة أو الأحكام المتسرعة ، حين يغيب النقد الموسيقي فإن الأعمال الموسيقية تفقد جزءا” من حضورها الثقافي ، ويصبح من الصعب تكوين ذاكرة موسيقية تحفظ التجارب وتضعها في سياقها التاريخي ، إن الموسيقى العراقية لا تعاني نقصا” في الموهبة أو في الإبداع ، وإنما تحتاج إلى خطاب نقدي موسيقي يواكبها ، ويقرأ تحولاتها ، ويكشف جمالياتها ، ويؤسس لثقافة موسيقية أكثر وعيا” ، فالنقد ليس ترفا” ، بل ضرورة حضارية ، لأنه يحول الفن من مجرد ممارسة إبداعية إلى قيمة ثقافية مستدامة ، تحفظ الذاكرة ، وترتقي بالذائقة ، وتمنح الموسيقى المكانة التي تستحقها في الحياة الثقافية العراقية
النقد الموسيقي العراقي بين أزمة الخطاب وغياب الممارسة
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
النقد الموسيقي العراقي بين أزمة الخطاب وغياب الممارسة
حين نتأمل المشهد الغيناسيقي العراقي نجد أنفسنا أمام مفارقة لافتة ، فالعراق الذي قدم عبر تاريخه أحد أكثر الموروثات الموسيقية ثراء” في العالم العربي ، ما يزال يفتقر إلى حركة نقدية موسيقية توازي هذا الثراء ، فمن المقام العراقي إلى الأغنية الحديثة ، ومن التجارب الأكاديمية إلى المبادرات الشبابية ، تتواصل عملية الإنتاج والإبداع ، بينما يظل النقد الموسيقي حاضرا” على استحياء ، أو غائبا” عن المشهد الثقافي بوصفه ممارسة معرفية وجمالية مستقلة . هذه المفارقة تثير أسئلة مشروعة ، لماذا يغيب النقد الموسيقي العراقي ؟ ولماذا يندر أن نجد ناقدا” موسيقيا” يتابع النتاجات الموسيقية واللحنية كما يتابع الناقد المسرحي أو السينمائي أو التشكيلي أعمال المسرح والسينما والتشكيل ، إن الإجابة لا تكمن في ضعف الموسيقى ، بل في طبيعة الخطاب الثقافي الذي أحاط بها ، وفي جملة من الإشكاليات المعرفية والمؤسساتية التي جعلت النقد الموسيقي أقل الفنون حضورا” وتأثير ومنها
أولا” ــ تعقيد اللغة الموسيقية : تختلف الموسيقى عن بقية الفنون في أن مادتها الأساسية ليست الكلمة ولا الصورة ، وإنما الصوت المنظم وفق قوانين دقيقة ، ولذلك فإن قراءة العمل الغيناسيقي تتطلب معرفة بالمقامات ، والإيقاعات ، والبناء اللحني ، والهارموني ، والتوزيع ، والأداء ، وجماليات اللحن ، ومساراته التعبيرية ، وعلاقته بالنص ، وأثره في تشكيل الوجدان ، وهي معارف مهمة في كتابة النقد الموسيقي
ثانيا” ــ إن أزمة النقد الموسيقي العراقي ليست أزمة أفراد بقدر ماهي أزمة خطاب ، فما يكتب عن الموسيقى في كثير من الأحيان يظل أقرب إلى الانطباعات ، بينما تندر الدراسات التي تتناول الأعمال الغيناسيقية بمنهج تحليلي وجمالي ، وتعود هذه الأزمة إلى عوامل متعددة ، من بينها ضعف حضور النقد الموسيقي في المؤسسات الثقافية ، وقلة المجلات المتخصصة ، وندرة الكتب التي تؤسس لنظرية نقدية موسيقية ،
ثالثا” ــ الحساسية اتجاه النقد : من الإشكاليات التي تواجه النقد الموسيقي أن الفنانين كثيرا” ما يتعاملون مع أية ملاحظة نقدية بوصفها انتقاصا” من القيمة الفنية ، لا بوصفها حوارا” معرفيا” ، وهذا المناخ جعل من يكتب بالنقد الموسيقي يتجه نحو كتابة النقد التاريخي و يبتعد عن النقد التحليلي ، تجنبا” لسوء الفهم
رابعا” ــ الحاجة إلى خطاب نقدي جمالي جديد : إن الموسيقى العراقية اليوم بحاجة إلى نقد يتجاوز الأحكام الانطباعية ، ويتجه نحو قراءة البنية اللحنية ، والفضاء التعبيري ، وسيمياء الأداء ، والعلاقة بين الصوت والمتلقي ، والبعد الفلسفي للموسيقى ، فالنقد الموسيقي لا ينبغي أن يكتفي بوصف العمل ، بل أن يكشف عن قوانينه الجمالية ، وآليات تأثيره على المستمع ، وكيفية إنتاجه للمعنى والانفعال .
إن غياب النقد الموسيقي ينعكس على الموسيقى نفسها ، فالإبداع يحتاج دائما” إلى عين تقرأه وتفسره وتناقشه ، والنقد الجاد لا يقف في مواجهة الفنان ، بل يفتح أمامه آفاقا” جديدة للتطوير ، ويمنح الجمهور أدوات لفهم العمل الموسيقي بعيدا” عن الانطباعات السريعة أو الأحكام المتسرعة ، حين يغيب النقد الموسيقي فإن الأعمال الموسيقية تفقد جزءا” من حضورها الثقافي ، ويصبح من الصعب تكوين ذاكرة موسيقية تحفظ التجارب وتضعها في سياقها التاريخي ، إن الموسيقى العراقية لا تعاني نقصا” في الموهبة أو في الإبداع ، وإنما تحتاج إلى خطاب نقدي موسيقي يواكبها ، ويقرأ تحولاتها ، ويكشف جمالياتها ، ويؤسس لثقافة موسيقية أكثر وعيا” ، فالنقد ليس ترفا” ، بل ضرورة حضارية ، لأنه يحول الفن من مجرد ممارسة إبداعية إلى قيمة ثقافية مستدامة ، تحفظ الذاكرة ، وترتقي بالذائقة ، وتمنح الموسيقى المكانة التي تستحقها في الحياة الثقافية العراقية
أ. م .د حمید ابولول جبجاب الماجدي
د. لبنى مرتضى
التعليقات