بدأ كيس بالنمو خارج بطنها، قررت أن تخبئ به من ولدتهم في لحظات لم تخطط لها، خوفا من وطن يلتهم أبناءه، حين تنام كانوا يندلقون منه.. يسيحون في الأرض، يلعبون.. يدقون أجراس البيوت.. يتقافزون بفرح تحت زخات المطر، يطاردون القطط والعصافير، يغازلون الصبيات الذاهبات إلى المدارس، يناكدون العجائز، يعودون فرحين بمغامراتهم.. يتخافتون خشية أن تستيقظ قبل أن يستقروا في بطنها، يخنقون ضحكاتهم، يتجادلون أحيانا، حتى يغمرهم دفء البطن اللذيذ… فينامون ملأ أعينهم..
تحلم بمستقبل زاهر لهم، فيغمرها الارتياح، أحيانا تأتي وحوشٌ ضخمة، بمخالب حديدية، تمتد إليها، تخرجهم قسرا، تفز مرتعبة وهي تتحسس بطنها، تعاود النوم حين تدرك إنه مجرد كابوس.. كان واحد منهم قد تسلل خفية متفرجا بانبهار على حرب قد اندلعت في شمال وطنه، بهرته الأضواء المتوهجة التي تنطلق من فوهات المدافع، لم يعي مخاطر تلك المناوشات، أصر ان يدخل في اتونها.. حتى اخترقت صدره رصاصة، افتقده أخوته لكنها لم تنتبه إلى غيابه، فما زال الكيس ممتلئا. بدأت تخاف أعين المتربصين حين تناهى إلى سمعها أن حربا أخرى قد نشبت في شرق البلاد، بكت وولولت حزنا على أبناء رفيقاتها التي بدأت تقضمهم، تتحسس بطنها بشيء من الاطمئنان،سرعان ما يتلاشى، إذ ينهشها القلق في أن يفتضح سرها، على الرغم من أنها لم تفش به لأي أحد خشية أن يفطن الجلاوزة، إذ كانوا يملؤون الطرقات متربصين، يسوقون الأبناء زرافات، ليطعموا حربا عبثية يلفها المجهول، تطوع أحدهم بالذهاب ليتقصى الأخبار، لكنه لم يرجع، استشاط إثنان منهم غضبا
تسللا لينقذا وطنهم.. كتبا على جدران البيوت لا للظلم… لم يكملا العبارة، إذ ظل الميم معلقا في الغيب… بينما ابتعدا مسحولين إلى حوض التيزاب،
ضاق آخر منهم ذرعا، شعر بأن الخطر يدنو وأن لا أمان حتى في هذه البطن الرؤوم، بحقيبة صغيرة، ولى وجهه بعيدا خارج حدود وطنه الملتهب.
من أجل الحفاظ على ما تبقى منهم قررت هي أن تزمَّ رأس الكيس، على أمل أن ينجلي الظلم. كانت البطن تمور بهم. لكنها تهون عليهم بأن ساعة الفرج ربما قد اقتربت.
حين عاد إلى الوطن، ذلك الذي هرب حاملا حقيبته، هرعت لتحتضنه وتضمه مجددا إلى أخوته، لكنه اشاح بوجهه بعيدا، تنكر لها، ضاق ذرعا بتوسلاتها وهي تحاول أن تدسه في الكيس مرة أخرى، مرغما ادخلته هناك، وبخبث زرع حقدا وبغضا وفسادا في جميع الزوايا، تسلل هاربا.. وقف غير بعيد ينظر بعدم اكتراث إلى جثة هامدة يتدلى منها كيس يقطر وجعا
حمد حسون القيسي
فاضل محمد الربیعي
خالد موسى
التعليقات