أصوات من هناك
رواية الأصوات المتعددة وعوالم المرئي واللامرئي
نعيم آل مسافر وتقنيات متقدمة في السرد
د. إسماعيل مروة
يقدم الروائي العراقي نعيم آل مسافر روايته أصوات من هناك بجرأة فكرية وتقنية ، معتمدا على عدد من الركائز:
_التداعي
_الذكريات
_التاريخ العراقي
_التداخل في الأصوات
_ تعدد الرواة بتعدد الفصول
وفي الهمسة الأولى يظهر الوعي الروائي التقني عند الكاتب ليقرر من البداية نهجه ومصدره” أسرت لي بحكاياتها لسبب ما .فقامن بإخفاء الملف لأصوغ تلك الحكايات بطريقة أخرى، أو أكتبها كرواية متخيلة ، لكن لماذا خطرلي أن أكتبها رواية؟ هل همسوا لي بهذا ونسيت؟
العنوان وفلسفته والأصوات:
تجمعت الأمور بين يدي الروائي ، وتكاثرت الأصوات ، وارتفع الهمس ، وألحت الأصوات على الذاكرة ، وهو بات كما قال يحمل هذه الأصوات والذكريات ، وقد أخفيت عنه الملفات ، ويشرع الباب للروائي والقارئ لتجويز الابتعاد عن التوثيق والواقع ، والسير بوعي تام وراء العالم المرئي والعالم الأسطوري في الوقت نفسه،ويسرد حكاية واحدة في حكايات متعددة ، في أجواء من الأسطرة والغرابة ، واستحضار الذاكرة الفردية والجمعية في الوقت نفسه ، وفي عملية متقنة في دمج المعقول مع اللا معقول ،وتحضير الأرواح مع حضور الفعل لتقديم سردية عراقية من سومر إلى أور وآكاد ، إلى الحاضر .
الحضور البيئي:
أصوات وليس صوتا واحدا ، وهناك تتعدد الأماكن والمسارح ، لكنها في حقيقة الأمر مكان واحد يرتبط به الكاتب بوشائج عميقة ، وقد قدم بمعرفة عميقة من خلال الغرائبية المدروسة مكونات البيئة ، واستعار مفرداتها ، ومما يحمد للروائي تلك الحواشي التي وضعها في الرواية والتي تشرح خصوصية البيئة ، لأن الرواية تقدم للقارئ ، وليست البيئة واحدة ، ناهيك عن قارئ ليس ابنا للبيئة ، والروائي بمعرفته مآل الرواية فعل ذلك بوعي ، وصدق حدسه بترجمتها للغات أخرى:( شريعة،خنياب،الحساوي،الحيافة،سليهيالرعيان،زو،ستوكاديارز، وغيرها) والقارئ يحتاج هذه الشروح المستندة للبيئة ، خاصة مع لجوء الكاتب إلى الأسطرة والخرافة وتحضير الأرواح من قبل شخوصه.
تعدد الرواة:
استخدم الروائي تقنية خاصة كانت مجدية مع تتبع فصول الرواية الرشيقة ، فالفصل لايتعدى الصفحتين غالبا ، وكأنه صوت من هناك في جوقة تروي الحكاية ، وقد كان كل صوت من الأصوات راويا ، يحيى ، يوسف ، مطر ،ستوكاديارز، جلسة تحضير أرواح،جمهورية ،سفينة فخارية ، وغيرها..
والكاتب جعل الراوي أو الصوت فاعلا في العمل ، فصيغة المتكلم في الرواية أحثت نوعا من التفاعل ، وقد يكون مستغربا ، لكنه كان ، فقد كانت الرواية والأصوات غير مقتصرة على الشخصيات ، حتى الجمادات كانت تروي ، فهاهي سفينة فخارية تروي( أنا الرهان ،سفينة صغيرة من الفخار بحجم الكف ، مكتوب علي خمس كلمات بحروف غير منقطعة)..فلم يأت الوصف للفخار على لسان المتحدث ، وإنما أسبغ الروائي عملية أنسنة على الجماد ، وحولها إلى راو للحدث ، وذلك بما يناسب الأصوات القادمة من هناك حيث صنع الروائي عالما غرائبيا وغنيا..
السرد التاريخي الذكي:
من مشهد الدم والاحتضان في البداية إلى تتبع الرواة ، وتصوير الخيبات والخوف والرقابة والحزب الحاكم والبطش ، وصولا إلى إلماحات ذكية دون إسهابات وتفصيل حول الحرب العراقية الإيرانية وقرار وقف إطلاق النار ، وماكان مترتبا على تلك الحرب في أثنائها ، وما يترتب عن قرار وقف إطلاق النار، وإلى الغزو الأمريكي ، مرورا بالعرب والعثمانيين والصفويين والإنجليز على لسن قرية الجدي وهي تروي(تركهما يوسف وسار في دروبي لعله يجد شيئا يدله علي ،لكنه لم ير نساء يغزلن الصوف…كان لي في ما مضى…سمعني أتكلم بلغة مشبوهة..)
وتتعزز هوية المكان(ربما هي لغة بحد ذاتها مكونة من يقايا مفردات سومرية ، شوهتها لغات أخرى دخلت عليها لأقوام مروا بهذه الأرض من سكان أصليين ونازحين ومحتلين ، أكاديين وبابليين وآشوريين وآراميين وعيلاميين وأخمنيين وساسانيين ، إلى العرب المسلمين….والغزو المغولي وماتلاه من عقود حكم العثمانيين والصفويين، إلى الاحتلال الإنكليزي حتى الغزو الأمريكي الأخير)..
فتعدد الأصوات حتى من الأرض والجماد أعطى فرصة لصوت يدخل الذات دون شرح وتفصيل ودخول للروائي في التسويغ.
وهي تقنية أفادت الروائي والرواية ..
الفكرة العامة:
أصوات من هناك رواية الإنسان العراقي ، والوجع العراقي ، رواية الأرض والتاريخ في صورة ميثولوجية مقربة قدر الإمكان لتتمثل الرواية التي يراها الكاتب أمانة حملها فتخيلها.. وكما بدأ الكاتب بعملية إيهام الأصوات ، كذلك وضع للرواية قفلا سماه مدون الهمس للإيهام بوجود الصوت الفني ، ويمثل حضور الكاتب(ليلة أتممت كتابة هذه الرواية ، أحسست بأني تخلصت من ثقل كبير يجثم على صدري…ألا تعتقد أن كتابة رواية أو قراءتها ، أشبه بجلسة تحضير أرواح؟….) إيهام الأصوات ، وإيهام النهاية يقدمهما الكاتب ليقول مدونة فكرية وفلسفية وحضارية تحتاج الكثير من التدبر في القراءة ، وهي لاتختلف عن جلسة تحضير أرواح..
وختاما ، أشكر للروائي الصديق أن أتحفني بهذا العمل الذي لم يكن سردا تقليديا ، وإنما كان فيه الكثير من الجرأة والتجريب الموفق
النجاح للأستاذ نعيم آل مسافر الروائي والمثقف المهموم بالرواية والإنسان ، وعسى أن يكتمل هذا المشروع السردي المميز
د. أنفال کاظم
سحر حسب الله عبد
حمدي العطار
التعليقات