سلام موسى وما أدراك ما سلام موسى ؟!!

صورة الكاتب
بقلم: فاضل الکعبي
التاريخ: 2 نوفمبر 2026 عدد المشاهدات: 3668
سلام موسى وما أدراك ما سلام موسى ؟!!

سلام موسى وما أدراك ما سلام موسى ؟!!

لم يكن سلام موسى معنيّا بأدب الأطفال وثقافتهم كل العناية في مرتسمات خطواته الفتية الأولى وما بعدها على الطريق المؤدّي إلى ( ثقافة الأطفال ) دلالة ومؤسَّسة ، وما كان لقلمه أن يقود الحروف والكلمات إلى استنطاق عوالم ثقافة الأطفال بما يعنيه هذا المفهوم ودلالاته العديدة والعميقة التي تتقدَّمها عتبات صحافة الأطفال ، أدب الأطفال ، كتب الأطفال ، وما إلى غير ذلك من معطيات أخرى مقاربة لهذه العتبات في جسد ثقافة الأطفال وروحها ، التي ناغاها سلام موسى مثلما يناغي الطفل أمه بعد مناغاتها له ، سرعان ما عشقها بكل ما كان لديه من الاحساس وقوَّة التعلّق ، فراح بذلك يغازلها غزلاً ذهنياً على استحياء لا يخلو من وجل في باديء الأمر ، وتطور الأمر بعدها وزال من قسمات احساسه وخطواته ذلك الوجل ، ليستحيل بعدها غزله هذا إلى غزل روحيّ عميق في غاياته التي بدت تتكشَّف أمامه غايات أخرى تناسلت منه شيئاً فشيئاً فاكتشف فيما بعد أن الغزل هذا لا يقلّ في عمقه وفي ولهه واشتعالاته وانشغالاته وهوسه ، وحتى جنونه عن غزل الحبيب لحبيبته .

نعم ، هذا ما كان وصار عند سلام موسى وهو يخطو بخطواته وبمداد قلمه ليرتقي قلاع ثقافة الأطفال المتعددة الاتجاهات والمفازات ويدخل عوالمها من وسع الأبواب التي وجد منها ما هو مشرع أمامه مثلما وجد غيرها المغلق الذي يحتاج إلى أكثر من مفتاح حتى يُفتح أمامه ويكشف له ما يخفي ويتخفّى في لججه النائمة ، والتي وجد في بعضها عصيا على الدخول ولم يعط له نفسه ويسمح له بالنبش والتنقيب في أعماقه ، لكنَّ الأمر هذا لم يثن عزيمته ويخلَّ بما سعى إليه وأراد منه ، فما كان منه إلا أن يزداد حدَّة وهمَّة في مساعيه ، بعد أن أدرك أهميَّة مهمته وقيمتها التي تربط أزمنة ، وتآخي بين فواصل هذه الأزمنة ، ليعيد لتلك الأزمنة حضوراً وفاعلية طوى الزمن صفحاتها خلال سيره الدؤوب ومسيرته المتواصلة من الماضي إلى المستقبل بعد المرور بالحاضر .

لقد أصرَّ سلام موسى على فتح ما طواه الزمن من صفحات مضت في طيّات السّبات ففي هذه الصفحات اضاءات واضاءات لم يقو الزمن ويفلح في اطفاء نور ألقها المبين ، وقد أراد سلام موسى أن يظهر ذلك ويُبيّنه لأبناء الحاضر لعلهم يحملون شيئاً من ألقه إلى المستقبل ، ليتباهى به هذا المستقبل مثلما تباهى به الماضي !.

ومع ما يشوب عمليات النبش بالماضي واستخلاص المضيء منه ، خصوصا من ذلك ما يخص ثقافة الأطفال ، فقد واصل سلام موسى نبشه وتنقيبه في مئات المجلدات بل قل الآلاف من هذه المجلدات التي تجمع في بطونها المجلات والصحف والمطبوعات المتنوعة بكل ما يضيء تاريخ ومعطيات ثقافة الأطفال في العراق .

في هذه الحالة قد ينظر البعض إلى هذه المهمة نظرة ضيقة ومن زاوية واحدة لا تأتي إلى الزوايا الآخرى ، فيعدها مجرد أرشفة مسحية وتوثيقاً ببلوغرافياً لا يستحق الكثير من الجهد والمسعى والتفكير ، وهذا منظور خاطيء يجانب الواقع ويبخس أهمية المسعى ومسعى الساعي وقيمته ، ولذلك وصل ما وصل إلى أسماع سلام موسى من كلام محبط من هذا القبيل كان يسعى إلى وضع الكوابح في طريقه واضعاف همته في هذا الاتجاه ، وكنت أرى في وجهة سلام موسى وتوجّهه النبيل هذا احياء لما مر عليه الزمن وطواه من صفحات تنبض بالحياة وتمدها إلى مثابات ثقافة الأطفال وامتداداتها في العراق ، فكنت أرى فيه الفعل والفاعلية التي تحيي ذلك فرحت أثني على جهده وأشجعه على المواصلة ، لأنني كنت أتوسَّم فيه الكثير الذي يخدم عوالم ثقافة الأطفال ويضيء ما كان منها من مناطق معتمة تجاهلها ضوء الزمن وجحود بعض أبناء هذا الزمن !.

وهكذا ، بالفعل القوي وبالفاعلية الأقوى واصل سلام موسى سيره الحثيث بهذا الاتجاه ، الذي صار له بمثابة الهم الذي يهمّ به في حياته ، مثلما الشاعر الذي أصبح الشعر قضية حياته ورسالته في هذه الحياة ، والهم الأكبر الذي يهمّ به ، أصبح التدوين وتسجيل كل شاردة وواردة في مسيرة ثقافة الأطفال وتذكيرنا بها الهمّ الكبير الذي يهمّ به سلام موسى .

لا أكتمكم سراً ، فثراء معطيات الزمن بكل تواريخه وما كان من نتاج ذلك التاريخ ما كان محفوظاً في الذاكرة وما كان مؤرشفاً من نتاجات لنا في طيات الورق ، فقد سقط من مخزون ذاكرتنا بعض ما كان فيها من مخزون هو بلا شك أرثنا ومخزون حياتنا وحياة الآخرين وهو بالنسبة لنا ولغيرنا ” الموروث الجمعي ” كما يسميه ” يونج ” ر، ومع أن هذا المروث يبقى ملازما للإنسان وحيّاً في ذاكرته ، إلا أن الذاكرة هذه بتقادم الأيام واتساع ضغط الزمن ومصائب الحياة في أقسى ظروفها قد يتهاوى منها الكثير وتسقط أوراق وأوراق وتفقد محفوظات الذاكرة بعض خزينها وهذا أمر وارد ومحتَّم ، فأنا ، على سبيل المثال رغم ما أحمله من خزين لثقافة الأطفال لاشتمال ذلك على تجربة طويلة تمتد لأكثر من خمسين عاما في الكتابة لأدب الأطفال وثقافتهم ابداعا وبحثا ونقداً واعد نفسي وتجربتي في هذا المجال على سعتها لم يفتها فوت ما من ذلك ، لكنني في أحيان عديدة أفقد بعض أشياء من محفوظات ذاكرتي وقد ذكّرني بها سلام موسى حين أضاء صفحات ذلك الذي نسيته وذكّرني وذكّر غيري بذلك ، وما أروع ذلك الجهد ، القرائي ، المذكّر ، الوفيّ لعوالم ثقافة الأطفال في مسيرتها الطويلة والغنية بمعطياتها ، والتي أتى عليها سلام موسى ليمنحنا فرصة استعادة ما مضى من أرث ثقافة الأطفال ، فهذه الثقافة واحياء منابعها وارثها لا تأتي من أصول الكتّاب وابداعاتهم والرسامين برسوماتهم بل لابد من متابعين لأثر هؤلاء وآثارهم لكي لا ينسى الابداع ويظل حيا بيننا مهما تقادم عليه الزمن .

من هنا اعتبر سلام موسى منقّباً حيّا وحيوّياً في آثار ثقافة الأطفال العميقة ، نعم هو مثل منقّب الآثار له نظرته وطريقته وأدواته ونبشه الخاص بهذا التنقيب الماهر .

قد يسأل أحد ما من بين الجميع : ما علاقة سلام موسى بثقافة الأطفال ، وَلِمَ كلّ هذا الهمّ بها ؟. نعم إنَّه الشغف يا سيدي ، الشغف الذي نحتاجه حيّا بمسعاه بيننا ، وهو شغف مهم غاية الأهمية بالنسبة لنا كتّابا ورسامين وعاملين في كافة اتجاهات ثقافة الأطفال على امتداد تاريخها القديم والحديث والمعاصر واستحضار ذلك كله في عالم اليوم ، ليذكّر به ويعيد ألقه إلى الواجهة .

نعم تخصص وظيفة سلام موسى ليس لها صلة بثقافة الأطفال لكن شغف هذا الشاب البارع المثابر المجدّ المخلص لمسار ومسيرة ثقافة الأطفال يسع عوالم هذه الثقافة من جهاتها المتعددة ويتفوّق على حدود تخصصه الوظيفي بقوَّة شغفه الكبير بثقافة الأطفال ليبهر المعنيين بثقافة الأطفال بكل فئاتها وأجيالها وينال تقديرهم واعجابهم بما يفعله هذا الشغف وينتجه من فعاليات لم تك بالحسبان ، فتراه يثابر ويسعى في كل مرة يأتي بجديد ويفاجيء الجميع وينال بذلك قدراً آخر من التقدير والاعجاب مع الثناء الكبير ، كان من ذلك مبادرته يوم أمس يوم الجمعة الموافق 30 / 10 / 2026 في دعوته لنا بهذه الدعوة الكريمة المميزة التي جمعتنا في ملتقى فاق الوصف لكتّاب ورسامين وعاملين في رحاب ثقافة الأطفال بأجيال متعددة ابتدأت من التأسيس وتعاقبت وامتدت إلى ما بعد ذلك .

كان ملتقى الأحبة من الأصدقاء والصديقات المبدعين من والمبدعات الكتّاب والرسامين والكاتبات والرسامات أولئك الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة ثقافة الأطفال والذي احتضنهم سلام موسى بأحضان المطعم البغدادي على ضفاف نهر دجلة الخالد له أكثر من دلالة ومعنى تتعلق بأصالة المكان وعمق الصلة به وبرمزيته الرائعة بروعة المضيّف بطيبة وسخاء كرمه غير المحدود الذي تجاوز حدود الكرم التقليدي فلم تكن الدعوة التي تجاوز عدد المدعوّين فيها أكثر من ثمانين مبدعا ومبدعة دعوة عادية بل كانت كرنفال تعارف ومحبة والتقاء بعد غياب واغتراب دام سنوات فالتقت الأحبة أحبتهم واحتضنت الأحاسيس ونبضات القلوب وحدقات العيون كل الملتقين في هذا الجمع المبارك الذي لم تقم به اي مؤسسة لا حكومية ولا أهلية معنية بثقافة الأطفال أو بالابداع وقام بها هذا الرجل النبيل المثابر الذي زرع في نفوسنا محبته قبل التقدير وتسابقت إلى محياه من أرواح الحاضرين ومن وجوههم ومن قلوبهم ابتسامات التقدير والمودة والاعجاب على قيامه بفعل عجزت عنه أكبر المؤسسات المعنية كما ذكر ذلك أخي وصديقي الغالي الشاعر المميز وأحد أيقونات شعر الأطفال في عالمنا العربي جليل خزعل الذي شدَّد على أهمية هذا اللقاء وقال صادقا ودالاً : ” حين تناستنا المؤسسات الرسمية، وخذلتنا النقابات، والاتحادات، وهمَّشتنا المنظمات ذات العناوين الرنانة. تذكّرنا قارئ مُحبّ لمجلتي والمزمار اسمه سلام موسى ” ، هذه حقيقة . عبر عنها هذا القاريء النبيل بنبل اخلاصة لما قرأ وترسَّخ في روحه واحساسه كل معاني القراءة وتجويداتها ، والتي اثمرت هذا اللقاء ولا أستبعد أن تثمر مبادرات أخرى تفوق الوصف وتنصف قيمة وقيم ثقافة الأطفال ومبدعيها الحقيقيين .

سلام كل السلام لسلام ومثله السلام المتوّج بالحب والتقدير لصاحب هذا الفعل النبيل الذي جمع قلوبنا وأرواحنا قبل كل شيء آخر بهذا اللقاء المبهج ، الذي كان مثار حديث واعجاب وتقدير كل الحاضرين من الأحبة أدامهم اللقاء وحفظم في كل حضور وجمع مباركين دوماً .

ختاماً هنيئاً لك محبتنا واعتزازنا وتقديرنا أخي العزيز وصديقي الغالي المبدع الكريم المضياف الأستاذ سلام موسى وأنت في كل يوم وفي كل مبادرة تزيدنا اعجابا بشغفك الفريد بثقافة الأطفال وسموها ، كل التقدير وفيض المحبة تتوّجك دوماً وسلمت بكل ألق وعطاء وحضور يعرف قيامك وقيمتك

 

عن الکاتب / الکاتبة

فاضل الکعبي
فاضل الکعبي
شاعر . ناقد . باحث متخصص بأدب ومسرح وثقافة الأطفال / العراق

مقالات أخرى للكاتب

( حقوقنا ليست كلمات ) عرض مسرحي للأطفال

( حقوقنا ليست كلمات ) عرض مسرحي للأطفال

( حقوقنا ليست كلمات ) عرض مسرحي للأطفال قبل أيام كنت في ضيافة عرض مسرحي…

صورة الكاتب فاضل الکعبي
2 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


سلام موسى وما أدراك ما سلام موسى ؟!!

بقلم: فاضل الکعبي | التاريخ: 2 نوفمبر 2026

التصنيف: أدب الأطفال

سلام موسى وما أدراك ما سلام موسى ؟!!

لم يكن سلام موسى معنيّا بأدب الأطفال وثقافتهم كل العناية في مرتسمات خطواته الفتية الأولى وما بعدها على الطريق المؤدّي إلى ( ثقافة الأطفال ) دلالة ومؤسَّسة ، وما كان لقلمه أن يقود الحروف والكلمات إلى استنطاق عوالم ثقافة الأطفال بما يعنيه هذا المفهوم ودلالاته العديدة والعميقة التي تتقدَّمها عتبات صحافة الأطفال ، أدب الأطفال ، كتب الأطفال ، وما إلى غير ذلك من معطيات أخرى مقاربة لهذه العتبات في جسد ثقافة الأطفال وروحها ، التي ناغاها سلام موسى مثلما يناغي الطفل أمه بعد مناغاتها له ، سرعان ما عشقها بكل ما كان لديه من الاحساس وقوَّة التعلّق ، فراح بذلك يغازلها غزلاً ذهنياً على استحياء لا يخلو من وجل في باديء الأمر ، وتطور الأمر بعدها وزال من قسمات احساسه وخطواته ذلك الوجل ، ليستحيل بعدها غزله هذا إلى غزل روحيّ عميق في غاياته التي بدت تتكشَّف أمامه غايات أخرى تناسلت منه شيئاً فشيئاً فاكتشف فيما بعد أن الغزل هذا لا يقلّ في عمقه وفي ولهه واشتعالاته وانشغالاته وهوسه ، وحتى جنونه عن غزل الحبيب لحبيبته .

نعم ، هذا ما كان وصار عند سلام موسى وهو يخطو بخطواته وبمداد قلمه ليرتقي قلاع ثقافة الأطفال المتعددة الاتجاهات والمفازات ويدخل عوالمها من وسع الأبواب التي وجد منها ما هو مشرع أمامه مثلما وجد غيرها المغلق الذي يحتاج إلى أكثر من مفتاح حتى يُفتح أمامه ويكشف له ما يخفي ويتخفّى في لججه النائمة ، والتي وجد في بعضها عصيا على الدخول ولم يعط له نفسه ويسمح له بالنبش والتنقيب في أعماقه ، لكنَّ الأمر هذا لم يثن عزيمته ويخلَّ بما سعى إليه وأراد منه ، فما كان منه إلا أن يزداد حدَّة وهمَّة في مساعيه ، بعد أن أدرك أهميَّة مهمته وقيمتها التي تربط أزمنة ، وتآخي بين فواصل هذه الأزمنة ، ليعيد لتلك الأزمنة حضوراً وفاعلية طوى الزمن صفحاتها خلال سيره الدؤوب ومسيرته المتواصلة من الماضي إلى المستقبل بعد المرور بالحاضر .

لقد أصرَّ سلام موسى على فتح ما طواه الزمن من صفحات مضت في طيّات السّبات ففي هذه الصفحات اضاءات واضاءات لم يقو الزمن ويفلح في اطفاء نور ألقها المبين ، وقد أراد سلام موسى أن يظهر ذلك ويُبيّنه لأبناء الحاضر لعلهم يحملون شيئاً من ألقه إلى المستقبل ، ليتباهى به هذا المستقبل مثلما تباهى به الماضي !.

ومع ما يشوب عمليات النبش بالماضي واستخلاص المضيء منه ، خصوصا من ذلك ما يخص ثقافة الأطفال ، فقد واصل سلام موسى نبشه وتنقيبه في مئات المجلدات بل قل الآلاف من هذه المجلدات التي تجمع في بطونها المجلات والصحف والمطبوعات المتنوعة بكل ما يضيء تاريخ ومعطيات ثقافة الأطفال في العراق .

في هذه الحالة قد ينظر البعض إلى هذه المهمة نظرة ضيقة ومن زاوية واحدة لا تأتي إلى الزوايا الآخرى ، فيعدها مجرد أرشفة مسحية وتوثيقاً ببلوغرافياً لا يستحق الكثير من الجهد والمسعى والتفكير ، وهذا منظور خاطيء يجانب الواقع ويبخس أهمية المسعى ومسعى الساعي وقيمته ، ولذلك وصل ما وصل إلى أسماع سلام موسى من كلام محبط من هذا القبيل كان يسعى إلى وضع الكوابح في طريقه واضعاف همته في هذا الاتجاه ، وكنت أرى في وجهة سلام موسى وتوجّهه النبيل هذا احياء لما مر عليه الزمن وطواه من صفحات تنبض بالحياة وتمدها إلى مثابات ثقافة الأطفال وامتداداتها في العراق ، فكنت أرى فيه الفعل والفاعلية التي تحيي ذلك فرحت أثني على جهده وأشجعه على المواصلة ، لأنني كنت أتوسَّم فيه الكثير الذي يخدم عوالم ثقافة الأطفال ويضيء ما كان منها من مناطق معتمة تجاهلها ضوء الزمن وجحود بعض أبناء هذا الزمن !.

وهكذا ، بالفعل القوي وبالفاعلية الأقوى واصل سلام موسى سيره الحثيث بهذا الاتجاه ، الذي صار له بمثابة الهم الذي يهمّ به في حياته ، مثلما الشاعر الذي أصبح الشعر قضية حياته ورسالته في هذه الحياة ، والهم الأكبر الذي يهمّ به ، أصبح التدوين وتسجيل كل شاردة وواردة في مسيرة ثقافة الأطفال وتذكيرنا بها الهمّ الكبير الذي يهمّ به سلام موسى .

لا أكتمكم سراً ، فثراء معطيات الزمن بكل تواريخه وما كان من نتاج ذلك التاريخ ما كان محفوظاً في الذاكرة وما كان مؤرشفاً من نتاجات لنا في طيات الورق ، فقد سقط من مخزون ذاكرتنا بعض ما كان فيها من مخزون هو بلا شك أرثنا ومخزون حياتنا وحياة الآخرين وهو بالنسبة لنا ولغيرنا ” الموروث الجمعي ” كما يسميه ” يونج ” ر، ومع أن هذا المروث يبقى ملازما للإنسان وحيّاً في ذاكرته ، إلا أن الذاكرة هذه بتقادم الأيام واتساع ضغط الزمن ومصائب الحياة في أقسى ظروفها قد يتهاوى منها الكثير وتسقط أوراق وأوراق وتفقد محفوظات الذاكرة بعض خزينها وهذا أمر وارد ومحتَّم ، فأنا ، على سبيل المثال رغم ما أحمله من خزين لثقافة الأطفال لاشتمال ذلك على تجربة طويلة تمتد لأكثر من خمسين عاما في الكتابة لأدب الأطفال وثقافتهم ابداعا وبحثا ونقداً واعد نفسي وتجربتي في هذا المجال على سعتها لم يفتها فوت ما من ذلك ، لكنني في أحيان عديدة أفقد بعض أشياء من محفوظات ذاكرتي وقد ذكّرني بها سلام موسى حين أضاء صفحات ذلك الذي نسيته وذكّرني وذكّر غيري بذلك ، وما أروع ذلك الجهد ، القرائي ، المذكّر ، الوفيّ لعوالم ثقافة الأطفال في مسيرتها الطويلة والغنية بمعطياتها ، والتي أتى عليها سلام موسى ليمنحنا فرصة استعادة ما مضى من أرث ثقافة الأطفال ، فهذه الثقافة واحياء منابعها وارثها لا تأتي من أصول الكتّاب وابداعاتهم والرسامين برسوماتهم بل لابد من متابعين لأثر هؤلاء وآثارهم لكي لا ينسى الابداع ويظل حيا بيننا مهما تقادم عليه الزمن .

من هنا اعتبر سلام موسى منقّباً حيّا وحيوّياً في آثار ثقافة الأطفال العميقة ، نعم هو مثل منقّب الآثار له نظرته وطريقته وأدواته ونبشه الخاص بهذا التنقيب الماهر .

قد يسأل أحد ما من بين الجميع : ما علاقة سلام موسى بثقافة الأطفال ، وَلِمَ كلّ هذا الهمّ بها ؟. نعم إنَّه الشغف يا سيدي ، الشغف الذي نحتاجه حيّا بمسعاه بيننا ، وهو شغف مهم غاية الأهمية بالنسبة لنا كتّابا ورسامين وعاملين في كافة اتجاهات ثقافة الأطفال على امتداد تاريخها القديم والحديث والمعاصر واستحضار ذلك كله في عالم اليوم ، ليذكّر به ويعيد ألقه إلى الواجهة .

نعم تخصص وظيفة سلام موسى ليس لها صلة بثقافة الأطفال لكن شغف هذا الشاب البارع المثابر المجدّ المخلص لمسار ومسيرة ثقافة الأطفال يسع عوالم هذه الثقافة من جهاتها المتعددة ويتفوّق على حدود تخصصه الوظيفي بقوَّة شغفه الكبير بثقافة الأطفال ليبهر المعنيين بثقافة الأطفال بكل فئاتها وأجيالها وينال تقديرهم واعجابهم بما يفعله هذا الشغف وينتجه من فعاليات لم تك بالحسبان ، فتراه يثابر ويسعى في كل مرة يأتي بجديد ويفاجيء الجميع وينال بذلك قدراً آخر من التقدير والاعجاب مع الثناء الكبير ، كان من ذلك مبادرته يوم أمس يوم الجمعة الموافق 30 / 10 / 2026 في دعوته لنا بهذه الدعوة الكريمة المميزة التي جمعتنا في ملتقى فاق الوصف لكتّاب ورسامين وعاملين في رحاب ثقافة الأطفال بأجيال متعددة ابتدأت من التأسيس وتعاقبت وامتدت إلى ما بعد ذلك .

كان ملتقى الأحبة من الأصدقاء والصديقات المبدعين من والمبدعات الكتّاب والرسامين والكاتبات والرسامات أولئك الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة ثقافة الأطفال والذي احتضنهم سلام موسى بأحضان المطعم البغدادي على ضفاف نهر دجلة الخالد له أكثر من دلالة ومعنى تتعلق بأصالة المكان وعمق الصلة به وبرمزيته الرائعة بروعة المضيّف بطيبة وسخاء كرمه غير المحدود الذي تجاوز حدود الكرم التقليدي فلم تكن الدعوة التي تجاوز عدد المدعوّين فيها أكثر من ثمانين مبدعا ومبدعة دعوة عادية بل كانت كرنفال تعارف ومحبة والتقاء بعد غياب واغتراب دام سنوات فالتقت الأحبة أحبتهم واحتضنت الأحاسيس ونبضات القلوب وحدقات العيون كل الملتقين في هذا الجمع المبارك الذي لم تقم به اي مؤسسة لا حكومية ولا أهلية معنية بثقافة الأطفال أو بالابداع وقام بها هذا الرجل النبيل المثابر الذي زرع في نفوسنا محبته قبل التقدير وتسابقت إلى محياه من أرواح الحاضرين ومن وجوههم ومن قلوبهم ابتسامات التقدير والمودة والاعجاب على قيامه بفعل عجزت عنه أكبر المؤسسات المعنية كما ذكر ذلك أخي وصديقي الغالي الشاعر المميز وأحد أيقونات شعر الأطفال في عالمنا العربي جليل خزعل الذي شدَّد على أهمية هذا اللقاء وقال صادقا ودالاً : ” حين تناستنا المؤسسات الرسمية، وخذلتنا النقابات، والاتحادات، وهمَّشتنا المنظمات ذات العناوين الرنانة. تذكّرنا قارئ مُحبّ لمجلتي والمزمار اسمه سلام موسى ” ، هذه حقيقة . عبر عنها هذا القاريء النبيل بنبل اخلاصة لما قرأ وترسَّخ في روحه واحساسه كل معاني القراءة وتجويداتها ، والتي اثمرت هذا اللقاء ولا أستبعد أن تثمر مبادرات أخرى تفوق الوصف وتنصف قيمة وقيم ثقافة الأطفال ومبدعيها الحقيقيين .

سلام كل السلام لسلام ومثله السلام المتوّج بالحب والتقدير لصاحب هذا الفعل النبيل الذي جمع قلوبنا وأرواحنا قبل كل شيء آخر بهذا اللقاء المبهج ، الذي كان مثار حديث واعجاب وتقدير كل الحاضرين من الأحبة أدامهم اللقاء وحفظم في كل حضور وجمع مباركين دوماً .

ختاماً هنيئاً لك محبتنا واعتزازنا وتقديرنا أخي العزيز وصديقي الغالي المبدع الكريم المضياف الأستاذ سلام موسى وأنت في كل يوم وفي كل مبادرة تزيدنا اعجابا بشغفك الفريد بثقافة الأطفال وسموها ، كل التقدير وفيض المحبة تتوّجك دوماً وسلمت بكل ألق وعطاء وحضور يعرف قيامك وقيمتك