إنقاذ ثقافة الأطفال
إن ثقافة الأطفال ليست ترفاً يمكن إهماله بلا تأنيب ضمير، ولا حلقة فائضة نستطيع تجاوزها حين تعترضنا أسئلتها الملحة. غير أن الوقائع التي تحدث تكشف عن الخلل المعرفي الكبير الذي طال بنية تفكير البعض في ذهابهم إلى إهمال ثقافة الأطفال بل والذهاب إلى طمرها تحت ذرائع لا يمكن بأي حال تبريرها، إزاء موقف ومواجهة أولئك الدعاة الذين يرفعون أصواتهم صباح مساء للتذكير بضرورة أدب الأطفال، حتى أعياهم التأكيد غير المجدي، فلا جدوى من طرق جدران رُصّت بحجارة صماء، فبتنا نعتقد أن المشتغلين في حقل ثقافة الأطفال ليسوا أكثر من حلقة فائضة أصابت جهابذة القوم وأعيان الثقافة بالضجر، كما لو أن لسان حالهم، وهو الأمر الذي يحدث فعلاً، يقول بأن كتاب أدب الأطفال ليسوا أكثر من معلمي صبيان يُنظر إليهم باستخفاف، فيما الآخرين الذين يكتبون في الأجناس الأدبية الأخرى أنهم أساطين الأدب يعلقون معلقاتهم على أستار المجلات المتخصصة وصفحات الجرائد الثقافية، مرة يتغنون بعشيقاتهم وفي أخرى يندبون أحلامهم التي تبددت مع الريح، يطالبوننا بأن لا نتحدث عن أدب الطفل لأنهم مشغولون بالقضايا الكبرى التي تحدد المصائر.
رغم إنهم يدركون جيداً أن أدب الأطفال ينشأ مع الطفولة ذاتها؛ فالكاتب لا ينتظر أن يزوره حلم كتابة للفتيان فيستيقظ صباحاً على فكرة رواية. لأننا ندرك بأن الكاتب لا يولد فجأة لأنه رغب بكتابة قصة أو قصيدة، عملية الإبداع نفسها نتاج التراكم المعرفي والجمالي الذي لا ينقطع منذ أن تناول الطفل كتابه الأول أو قرأ روايته الأولى، حتى تتراكم القراءات عبر الكتب التي يدسها في مخيلته ووجدانه وصولاً إلى مرحلة الكتابة الواعية حين ينضج فكرياً عبر الخبرات والتجارب التي تلقاها عبر مسيرته هذه. فالكاتب في أدب الأطفال كان في طفولته المبكرة القارئ الأول للقصص والحكايات التي ألتهمت خياله ومكنته من الذي سبر أسرار هذا العالم المغلق.
الكتابة للأطفال ميداناً لتجارب لم تكتمل أو أن تكون أسيرة رغبات تعوزها المعرفة، وهي أيضاً ليست مجرد واجب أخلاقي أو محاولة لإرشاد الأطفال إلى الوجهة المنشودة، بل هي أكثر من ذلك بكثير لأنها تعمل على سبر مغاليق وعي الطفل وإضاءة أكثر الزوايا عتمة في مخيلته وحشوها بالصور والأحداث، والتي بدورها تعمل كمحفز على البدء بعملية إعادة إنتاج للخبرات المتراكمة بوعي يدرك خطورة مهمته الإبداعية. وكما يؤكد الرائد الإيطالي جياني روداري في كتابه غراماتيقا التخيل، فإن كلمة واحدة قد تُسقط حجراً في الساكن فتطلق سلسلة من التداعيات وتُحفز التفكير الخلاق، وهو ما يعزز أن المخيلة هي المحرك الأول لكل بناء حضاري.
هذا الأمر تحديداً هو الذي فطن إليه الغرب بوقت مبكر واشتغلت عليه حفرياتهم المعرفية لذا فسبقونا بعوالم من الخيال والإبداع، بل كان ذلك الخيال اللبنة الأولى التي قامت عليها أسس الحضارة الغربية. حين نشأت حضارتهم مع ثقافة الأطفال لأنها أدركت أن الدرس الفلسفي المجرد يقود إلى التأمل، إلا أن أدب الخيال والفانتازيا قاد الرواد الأطفال إلى استشراف رؤية مستقبلية لما ستكون عليه مجتمعاتهم.
نجد في تاريخ الأدب العالمي الأمثلة الساطعة التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن الخيال في الأدب كان دائماً المحرك الأول للتقدم العلمي، فكل شيء ولد من تحت معطف الأساطير والخيال. حين كتب جول فيرن روايته عشرون ألف فرسخ تحت الماء عام 1869، وروايته من الأرض إلى القمر عام 1865، لم تكن الغواصات ولا رحلات الفضاء سوى أحلام خيالية لم تغادر الورق الذي دونت عليه، لكن وصفه الدقيق للغواصة نيمو وانطلاق الصواريخ من فلوريدا، زرع البذرة الأولى في عقول الأطفال الذين قرؤوا رواياته بشغف، ليتحول الخيال لاحقاً إلى حقائق علمية على أيدي مهندسي المستقبل إلى منجزات هندسية فائقة، سواء كانت غواصات تغوص في الأعماق أو مركبات فضائية تهبط على سطح القمر كما تنبأ في روايته رحلة إلى القمر.
وحين قدم هربرت جورج ويلز روايته آلة الزمن عام 1895، لم يطرح مجرد تسلية للفتيان، بل مهد الطريق لزعزعة المفاهيم التقليدية للزمن وفتح عقول الناشئة على استيعاب مفاهيم جديدة كالنسبية والفيزياء الكونية.
وكما يشير الناقد بول فازر في دراساته التاريخية لأدب الطفل، فإن الكتب التي يُغذي بها المجتمع أطفاله تنبئ مباشرة بالنوع الذي سيكون عليه مستقبل ذلك المجتمع.
خيال الكتاب الأوائل قاد الأطفال الذين استمتعوا بقراءة تلك القصص إلى شحن أدمغتهم بالصور المتخيلة، حتى تحقق الخيال بعد سنوات على أيديهم حين انطلقت المركبات الفضائية نحو الفضاء الخارجي والغواصات سبرت أعماق المحيطات عبر تلك القصص التي قرؤوها في طفولتهم المبكرة فشحنت مخيلتهم بالإصرار. أما نحن، فما زلنا نعيش أساطير الأولين عن الأرنب والقطة والحمار الكسول، ونراوح في النمط التقليدي الذي يحصر أدب الطفل في التلقين المباشر والوعظ البليد؛ هم يتسلقون الفضاء ويرسمون خرائط المجرات، فيما أطفالنا يزحفون تحت سلطة الوصايا والوعاظ والأمراض الفكرية التي تشوه طفولتهم.
ولعل الأزمة الأكثر إثارة للأسى تكمن في أن الأديب الذي يكتب للكبار ينظر إلى أدب الأطفال بوصفه هامشاً يجب عليه أن يقف في آخر الطابور، في حين تذكرنا الكاتبة السويدية أستريد ليندغرين بأن كل ما هو عظيم حدث في هذا العالم، حدث أولاً في خيال إنسان. إن العناية بثقافة الطفل قضية استراتيجية ووجودية لا تقبل الإرجاء أو التهميش.
إنقاذ ثقافة الأطفال
إنقاذ ثقافة الأطفال
إن ثقافة الأطفال ليست ترفاً يمكن إهماله بلا تأنيب ضمير، ولا حلقة فائضة نستطيع تجاوزها حين تعترضنا أسئلتها الملحة. غير أن الوقائع التي تحدث تكشف عن الخلل المعرفي الكبير الذي طال بنية تفكير البعض في ذهابهم إلى إهمال ثقافة الأطفال بل والذهاب إلى طمرها تحت ذرائع لا يمكن بأي حال تبريرها، إزاء موقف ومواجهة أولئك الدعاة الذين يرفعون أصواتهم صباح مساء للتذكير بضرورة أدب الأطفال، حتى أعياهم التأكيد غير المجدي، فلا جدوى من طرق جدران رُصّت بحجارة صماء، فبتنا نعتقد أن المشتغلين في حقل ثقافة الأطفال ليسوا أكثر من حلقة فائضة أصابت جهابذة القوم وأعيان الثقافة بالضجر، كما لو أن لسان حالهم، وهو الأمر الذي يحدث فعلاً، يقول بأن كتاب أدب الأطفال ليسوا أكثر من معلمي صبيان يُنظر إليهم باستخفاف، فيما الآخرين الذين يكتبون في الأجناس الأدبية الأخرى أنهم أساطين الأدب يعلقون معلقاتهم على أستار المجلات المتخصصة وصفحات الجرائد الثقافية، مرة يتغنون بعشيقاتهم وفي أخرى يندبون أحلامهم التي تبددت مع الريح، يطالبوننا بأن لا نتحدث عن أدب الطفل لأنهم مشغولون بالقضايا الكبرى التي تحدد المصائر.
رغم إنهم يدركون جيداً أن أدب الأطفال ينشأ مع الطفولة ذاتها؛ فالكاتب لا ينتظر أن يزوره حلم كتابة للفتيان فيستيقظ صباحاً على فكرة رواية. لأننا ندرك بأن الكاتب لا يولد فجأة لأنه رغب بكتابة قصة أو قصيدة، عملية الإبداع نفسها نتاج التراكم المعرفي والجمالي الذي لا ينقطع منذ أن تناول الطفل كتابه الأول أو قرأ روايته الأولى، حتى تتراكم القراءات عبر الكتب التي يدسها في مخيلته ووجدانه وصولاً إلى مرحلة الكتابة الواعية حين ينضج فكرياً عبر الخبرات والتجارب التي تلقاها عبر مسيرته هذه. فالكاتب في أدب الأطفال كان في طفولته المبكرة القارئ الأول للقصص والحكايات التي ألتهمت خياله ومكنته من الذي سبر أسرار هذا العالم المغلق.
الكتابة للأطفال ميداناً لتجارب لم تكتمل أو أن تكون أسيرة رغبات تعوزها المعرفة، وهي أيضاً ليست مجرد واجب أخلاقي أو محاولة لإرشاد الأطفال إلى الوجهة المنشودة، بل هي أكثر من ذلك بكثير لأنها تعمل على سبر مغاليق وعي الطفل وإضاءة أكثر الزوايا عتمة في مخيلته وحشوها بالصور والأحداث، والتي بدورها تعمل كمحفز على البدء بعملية إعادة إنتاج للخبرات المتراكمة بوعي يدرك خطورة مهمته الإبداعية. وكما يؤكد الرائد الإيطالي جياني روداري في كتابه غراماتيقا التخيل، فإن كلمة واحدة قد تُسقط حجراً في الساكن فتطلق سلسلة من التداعيات وتُحفز التفكير الخلاق، وهو ما يعزز أن المخيلة هي المحرك الأول لكل بناء حضاري.
هذا الأمر تحديداً هو الذي فطن إليه الغرب بوقت مبكر واشتغلت عليه حفرياتهم المعرفية لذا فسبقونا بعوالم من الخيال والإبداع، بل كان ذلك الخيال اللبنة الأولى التي قامت عليها أسس الحضارة الغربية. حين نشأت حضارتهم مع ثقافة الأطفال لأنها أدركت أن الدرس الفلسفي المجرد يقود إلى التأمل، إلا أن أدب الخيال والفانتازيا قاد الرواد الأطفال إلى استشراف رؤية مستقبلية لما ستكون عليه مجتمعاتهم.
نجد في تاريخ الأدب العالمي الأمثلة الساطعة التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن الخيال في الأدب كان دائماً المحرك الأول للتقدم العلمي، فكل شيء ولد من تحت معطف الأساطير والخيال. حين كتب جول فيرن روايته عشرون ألف فرسخ تحت الماء عام 1869، وروايته من الأرض إلى القمر عام 1865، لم تكن الغواصات ولا رحلات الفضاء سوى أحلام خيالية لم تغادر الورق الذي دونت عليه، لكن وصفه الدقيق للغواصة نيمو وانطلاق الصواريخ من فلوريدا، زرع البذرة الأولى في عقول الأطفال الذين قرؤوا رواياته بشغف، ليتحول الخيال لاحقاً إلى حقائق علمية على أيدي مهندسي المستقبل إلى منجزات هندسية فائقة، سواء كانت غواصات تغوص في الأعماق أو مركبات فضائية تهبط على سطح القمر كما تنبأ في روايته رحلة إلى القمر.
وحين قدم هربرت جورج ويلز روايته آلة الزمن عام 1895، لم يطرح مجرد تسلية للفتيان، بل مهد الطريق لزعزعة المفاهيم التقليدية للزمن وفتح عقول الناشئة على استيعاب مفاهيم جديدة كالنسبية والفيزياء الكونية.
وكما يشير الناقد بول فازر في دراساته التاريخية لأدب الطفل، فإن الكتب التي يُغذي بها المجتمع أطفاله تنبئ مباشرة بالنوع الذي سيكون عليه مستقبل ذلك المجتمع.
خيال الكتاب الأوائل قاد الأطفال الذين استمتعوا بقراءة تلك القصص إلى شحن أدمغتهم بالصور المتخيلة، حتى تحقق الخيال بعد سنوات على أيديهم حين انطلقت المركبات الفضائية نحو الفضاء الخارجي والغواصات سبرت أعماق المحيطات عبر تلك القصص التي قرؤوها في طفولتهم المبكرة فشحنت مخيلتهم بالإصرار. أما نحن، فما زلنا نعيش أساطير الأولين عن الأرنب والقطة والحمار الكسول، ونراوح في النمط التقليدي الذي يحصر أدب الطفل في التلقين المباشر والوعظ البليد؛ هم يتسلقون الفضاء ويرسمون خرائط المجرات، فيما أطفالنا يزحفون تحت سلطة الوصايا والوعاظ والأمراض الفكرية التي تشوه طفولتهم.
ولعل الأزمة الأكثر إثارة للأسى تكمن في أن الأديب الذي يكتب للكبار ينظر إلى أدب الأطفال بوصفه هامشاً يجب عليه أن يقف في آخر الطابور، في حين تذكرنا الكاتبة السويدية أستريد ليندغرين بأن كل ما هو عظيم حدث في هذا العالم، حدث أولاً في خيال إنسان. إن العناية بثقافة الطفل قضية استراتيجية ووجودية لا تقبل الإرجاء أو التهميش.
التعليقات