من يملك المعنى؟ القارئ أم النص؟

صورة الكاتب
بقلم: عبدالکریم حمزة عباس
التاريخ: 16 مايو 2026 عدد المشاهدات: 1783
من يملك المعنى؟ القارئ أم النص؟

من يملك المعنى؟ القارئ أم النص؟

منذ أن أصبح المعنى موضع سؤال، لم يعد الخلاف حول “ما معنى النص؟” فقط، بل حول سؤال أكثر عمقًا:
من يملك هذا المعنى أصلًا؟ هل هو الكاتب الذي كتب النص؟ أم النص ذاته بما يحمله من بنية؟ أم القارئ الذي يمنحه الحياة عند القراءة؟

لفترة طويلة، كان يُعتقد أن المعنى يكمن في نية الكاتب، فهم النص كان يعني العودة إلى حياته وظروفه تفسير العمل في ضوء قصده الأصل.
في هذا التصور، القارئ لا يملك سوى أن يتبع أثر الكاتب.
لكن هل يمكننا حقًا الوصول إلى نية المؤلف؟ وهل ما قصده يساوي دائمًا ما كتبه؟

مع تطور النقد، بدأ هذا التصور يتراجع لم يعد المؤلف هو المرجع النهائي، بل أصبح النص نفسه هو المركز:
فالنص يحتوي على نظامه الخاص، يخلق علاقاته الداخلية ويمنح نفسه نوعًا من الاستقلال، بهذا المعنى لا نحتاج إلى معرفة نية الكاتب لكي نفهم النص لكن هذا لا يحسم المسألة، بل ينقلها إلى مستوى آخر:

حين تم تحرير النص من سلطة المؤلف، برز دور القارئ بقوة،حيث أصبح يُنظر إلى القراءة على
أنها فعل إنتاج، تجربة شخصية مشاركة في خلق المعنى، القارئ هنا ليس متلقيًا سلبيا، بل شريك من نوع خاص،انه لا يخلق النص من العدم، بل يعمل داخله.
قد يبدو من هذا التطور أن القارئ أصبح المالك الوحيد للمعنى، لكن هذا تصور مضلل لأن القارئ لا يكتب النص ولا يتحكم في لغته ولا يستطيع تجاهل بنيته هو يشارك في المعنى، لكنه لا يمتلكه بالكامل.

وكذلك النص لا يفرض معنى واحدًا ولا يمنع التعدد، إذن لا أحد “يملك” المعنى بشكل مطلق.:
من هذا يتضح ان المعنى لا يوجد في النص وحده ولا في القارئ وحده ،بل في العلاقة بينهما ،إنه نتيجة ما يقترحه النص وما يستجيب له القارئ، هذه العلاقة ليست ثابتة، بل تتغير من قارئ إلى آخر ومن زمن إلى آخر لكنها تظل محكومة بشيء أساسي: احترام حدود النص.

عن الکاتب / الکاتبة

عبدالکریم حمزة عباس
عبدالکریم حمزة عباس
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الراوي غير الموثوق تقنية فنية أم متاهة سردية؟

الراوي غير الموثوق تقنية فنية أم متاهة سردية؟

الراوي غير الموثوق تقنية فنية أم متاهة سردية؟ يظهر مفهوم (الراوي غير الموثوق) في السرد…

صورة الكاتب عبدالکریم حمزة عباس
14 مارس 2026
اقرأ المزيد
تأويل النص بين جدل المعنى و حدود القراءة

تأويل النص بين جدل المعنى و حدود القراءة

تأويل النص بين جدل المعنى و حدود القراءة. كثيرون يظنون أن التأويل يعني ببساطة أن…

صورة الكاتب عبدالکریم حمزة عباس
2 مارس 2026
اقرأ المزيد
مفارقة

مفارقة

مفارقة الكل يكتب لكن ليس هنالك من يقرأ . تتجلى المفارقة حين ننظر إلى النخبة…

صورة الكاتب عبدالکریم حمزة عباس
2 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


من يملك المعنى؟ القارئ أم النص؟

بقلم: عبدالکریم حمزة عباس | التاريخ: 16 مايو 2026

التصنيف: الأدب

من يملك المعنى؟ القارئ أم النص؟

منذ أن أصبح المعنى موضع سؤال، لم يعد الخلاف حول “ما معنى النص؟” فقط، بل حول سؤال أكثر عمقًا:
من يملك هذا المعنى أصلًا؟ هل هو الكاتب الذي كتب النص؟ أم النص ذاته بما يحمله من بنية؟ أم القارئ الذي يمنحه الحياة عند القراءة؟

لفترة طويلة، كان يُعتقد أن المعنى يكمن في نية الكاتب، فهم النص كان يعني العودة إلى حياته وظروفه تفسير العمل في ضوء قصده الأصل.
في هذا التصور، القارئ لا يملك سوى أن يتبع أثر الكاتب.
لكن هل يمكننا حقًا الوصول إلى نية المؤلف؟ وهل ما قصده يساوي دائمًا ما كتبه؟

مع تطور النقد، بدأ هذا التصور يتراجع لم يعد المؤلف هو المرجع النهائي، بل أصبح النص نفسه هو المركز:
فالنص يحتوي على نظامه الخاص، يخلق علاقاته الداخلية ويمنح نفسه نوعًا من الاستقلال، بهذا المعنى لا نحتاج إلى معرفة نية الكاتب لكي نفهم النص لكن هذا لا يحسم المسألة، بل ينقلها إلى مستوى آخر:

حين تم تحرير النص من سلطة المؤلف، برز دور القارئ بقوة،حيث أصبح يُنظر إلى القراءة على
أنها فعل إنتاج، تجربة شخصية مشاركة في خلق المعنى، القارئ هنا ليس متلقيًا سلبيا، بل شريك من نوع خاص،انه لا يخلق النص من العدم، بل يعمل داخله.
قد يبدو من هذا التطور أن القارئ أصبح المالك الوحيد للمعنى، لكن هذا تصور مضلل لأن القارئ لا يكتب النص ولا يتحكم في لغته ولا يستطيع تجاهل بنيته هو يشارك في المعنى، لكنه لا يمتلكه بالكامل.

وكذلك النص لا يفرض معنى واحدًا ولا يمنع التعدد، إذن لا أحد “يملك” المعنى بشكل مطلق.:
من هذا يتضح ان المعنى لا يوجد في النص وحده ولا في القارئ وحده ،بل في العلاقة بينهما ،إنه نتيجة ما يقترحه النص وما يستجيب له القارئ، هذه العلاقة ليست ثابتة، بل تتغير من قارئ إلى آخر ومن زمن إلى آخر لكنها تظل محكومة بشيء أساسي: احترام حدود النص.