حفل شاي على حافة الهاوية

صورة الكاتب
بقلم: زاهر الأسعد
التاريخ: 31 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3247
حفل شاي على حافة الهاوية

كي نليق بالردى
نلمّع أحذيتنا
ونسير نحو الهاوية
بنظرة هادئة وخطىً ثقيلة
كأنما نمضي إلى حفل شاي
في ظهيرة خريف عادي
حيث لا أحد ينتظر أحداً
ولا أحد يتأخر
نحن في الحفل منذ الأزل
ولا نعرف

تتزاحم الأقنعة على الرصيف
كخردة لم يعد يلتفت إليها أحد
والحب…
رسالة باردة على الزجاج
تفتقر إلى أثر الأنفاس
وحرارة اللقاء
وفي الحفل… كراسٍ فارغة
وأكواب لم يلمسها أحد
وحين انتهى الحفل
لم ينهض أحد
لأن أحداً لم يجلس أصلاً

العالم حكاية باهتة
كتبها أعمى يضحك
ونحن نؤدي أدوارنا المكتوبة
بجدية مضحكة
تثير شفقة الحكماء
ثم نصفّق لأنفسنا
حتى تدمى الأكف
ولا نسمع التصفيق

أشباح نذرع الشوارع
في مدينة ملاه مهجورة
نضحك كمن يفتش في جيوب الموتى
عن سبب للضحك
لأن البكاء الحقيقي
يحتاج جهداً وإيماناً
لم نعد نملكهما
في هذا الجفاف الذي علمنا النطق
ثم علمنا الصمت

لا نبحث عن مجد أو يوتوبيا
بل عن لحظة هدوء عابرة
تخفف وطأة الفراغ
فنحن نعرف في قرارة أنفسنا
أن النهاية صمت طويل
لا يقطعه سوى صوتُ التراب
وهو يطمس الأسماء المنسية
كما يطمس الرمل خطوات حفل الشاي

وأنا…
وسط هذا العبث الممتد
كنت أظن العزلة أرحمُ البيوت
حتى سكنتها
فبنيت جداراً من الشك
بيني وبين العالم
لا أطلب إنقاذ العالم
يكفي أن أنجو بنفسي
من السقوط في فخاخ المعاني الزائفة
فبنيت جداراً آخر
أراه ولا يراني
وصرت أطرقه كل ليلة
كي يفتح
ولو على العدم

حين تضحك الحكمة في وجه الفاجعة
يرقص العبث على أنقاض المعنى
أعيش في زمن
لا تعرف العقارب كيف تقيسه
كل دقيقة فيه عمر من الفراغ
وأبني من هذا الفراغ صرحاً
لا تطاله أيدي العابرين
لكن البيت الفارغ بارد
وحدهم الناس يمنحون الجدران دفئاً
وأنا…
من يمنح العزلة دفئاً؟

أنا الذي كتب قصيدته عن العدم
ثم تركها للريح…
على أرصفة الرخيص
وأنا الذي رفضت المعنى
أبحث عنه في كل سطر
فمن يشتري قصيدة عن العدم
بلا ثمن
ولا أحد يسأل
ويذهب بها إلى حفل شاي
لم يبدأ بعد
على حافة الهاوية؟

 

عن الکاتب / الکاتبة

زاهر الأسعد
زاهر الأسعد
شاعر/ فلسطین

مقالات أخرى للكاتب

“للغياب اسم”

“للغياب اسم”

المدينة لا تنهض تسجّل غيابها على ظهر الهواء أسماءً على كسرات الخبز وذكرياتٍ في سوقٍ…

صورة الكاتب زاهر الأسعد
16 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
أول الضوء

أول الضوء

أول الضوء   لم أصمت جعلت من الصمت فخًا وانتظرتك عند أول الضوء أزرع في…

صورة الكاتب زاهر الأسعد
18 يوليو 2026
اقرأ المزيد
“احتمال البقاء”

“احتمال البقاء”

احتمال البقاء تعبٌ لا يشبه التعب مقيمٌ في الجهة التي لا تصغي إليها اللغة حيث…

صورة الكاتب زاهر الأسعد
3 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حفل شاي على حافة الهاوية

بقلم: زاهر الأسعد | التاريخ: 31 أكتوبر 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

كي نليق بالردى
نلمّع أحذيتنا
ونسير نحو الهاوية
بنظرة هادئة وخطىً ثقيلة
كأنما نمضي إلى حفل شاي
في ظهيرة خريف عادي
حيث لا أحد ينتظر أحداً
ولا أحد يتأخر
نحن في الحفل منذ الأزل
ولا نعرف

تتزاحم الأقنعة على الرصيف
كخردة لم يعد يلتفت إليها أحد
والحب…
رسالة باردة على الزجاج
تفتقر إلى أثر الأنفاس
وحرارة اللقاء
وفي الحفل… كراسٍ فارغة
وأكواب لم يلمسها أحد
وحين انتهى الحفل
لم ينهض أحد
لأن أحداً لم يجلس أصلاً

العالم حكاية باهتة
كتبها أعمى يضحك
ونحن نؤدي أدوارنا المكتوبة
بجدية مضحكة
تثير شفقة الحكماء
ثم نصفّق لأنفسنا
حتى تدمى الأكف
ولا نسمع التصفيق

أشباح نذرع الشوارع
في مدينة ملاه مهجورة
نضحك كمن يفتش في جيوب الموتى
عن سبب للضحك
لأن البكاء الحقيقي
يحتاج جهداً وإيماناً
لم نعد نملكهما
في هذا الجفاف الذي علمنا النطق
ثم علمنا الصمت

لا نبحث عن مجد أو يوتوبيا
بل عن لحظة هدوء عابرة
تخفف وطأة الفراغ
فنحن نعرف في قرارة أنفسنا
أن النهاية صمت طويل
لا يقطعه سوى صوتُ التراب
وهو يطمس الأسماء المنسية
كما يطمس الرمل خطوات حفل الشاي

وأنا…
وسط هذا العبث الممتد
كنت أظن العزلة أرحمُ البيوت
حتى سكنتها
فبنيت جداراً من الشك
بيني وبين العالم
لا أطلب إنقاذ العالم
يكفي أن أنجو بنفسي
من السقوط في فخاخ المعاني الزائفة
فبنيت جداراً آخر
أراه ولا يراني
وصرت أطرقه كل ليلة
كي يفتح
ولو على العدم

حين تضحك الحكمة في وجه الفاجعة
يرقص العبث على أنقاض المعنى
أعيش في زمن
لا تعرف العقارب كيف تقيسه
كل دقيقة فيه عمر من الفراغ
وأبني من هذا الفراغ صرحاً
لا تطاله أيدي العابرين
لكن البيت الفارغ بارد
وحدهم الناس يمنحون الجدران دفئاً
وأنا…
من يمنح العزلة دفئاً؟

أنا الذي كتب قصيدته عن العدم
ثم تركها للريح…
على أرصفة الرخيص
وأنا الذي رفضت المعنى
أبحث عنه في كل سطر
فمن يشتري قصيدة عن العدم
بلا ثمن
ولا أحد يسأل
ويذهب بها إلى حفل شاي
لم يبدأ بعد
على حافة الهاوية؟